ابن رشد
77
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل )
إن قولهم إن الربيع حار رطب ، وليس هو معتدلا خطأ بين جدا ، وذلك أن الربيع ليس هو من الرطوبة بحال الشتاء ، ولا من الحرارة بحال الصيف ، فيجب من ذلك ألا تكون واحدة من هاتين الكيفيتين فيه مفرطة . وقول أولئك في الربيع إنه حار رطب يدل على أن غلبة هاتين الكيفيتين غلبة مفرطة . ( 21 ) قلت : هذا لا يدل عليه قولهم ، لأن الحرارة والرطوبة تختلف بالأقل والأكثر ، فهم يريدون أن تغلب عليه الرطوبة لا مثل غلبتها على الشتاء وتغلب عليه الحرارة لا غلبتها على الصيف لكن غلبة معتدلة موجبة : للكون والنشوء . ( 22 ) قال : وإنما غلطوا من وجوه : أولها أنهم أرادوا أن يجدوا في أوقات السنة الأصناف الأربعة من تركيب المزاج ، والثاني من قبل أن الربيع أسخن من الشتاء وأرطب من الصيف . ( 23 ) قال : ولكنه ليس يجب أن توجد تلك الأمزجة الأربعة في أمزجة السنة ، إذ كنا لسنا نراها فيها . ووصفهم الربيع حارا رطبا بمقايسته بالشتاء والصيف ليس بأولى من وصفهم إياه باردا يابسا ، أعنى باردا بالإضافة إلى الصيف ، ويابسا بالإضافة إلى الشتاء . وذلك بأن الحار والرطب لما كانا اسمين يدلان على الإفراط ، لم يكن قولهم بحق ، ومن ذلك أن الربيع معتدل في أحواله ، وليس ينبغي أن نقيسه بسائر الفصول ، لأنه يلزم أن نصفه بالحرارة والرطوبة والبرودة واليبوسة كما قلنا ، وإنما ينبغي أن نعتبره في نفسه على حده ، وذلك أن قولنا في الشتاء إنه بارد رطب ؛ ليس هو من قبل أنه أبرد الأوقات وأرطبها ، بل من قبل أن الرطوبة والبرودة غالبة على مزاجه . وكذلك نقول في الصيف إنه حار يابس باعتبار ذاته لا بالمقايسة إلى وقت آخر .