ابن رشد

75

مجموعة الرسائل ( تسع رسائل )

في العلم الطبيعي أنه لا يكون كون للمركبات إلا بغلبة الكيفيات الفاعلة ، وهي الحرارة والبرودة للمنفعلة ، وهي الرطوبة واليبوسة ، وأن تكون المتضادة من كل واحد من هذه هي الغالبة لضدها ، حتى تكون الحرارة هي الغالبة للبرودة ، والرطوبة لليبوسة ، في الحيوان . ( 14 ) وإنما يسمى هذا المزاج معتدلا بالإضافة إلى جودة أفعال الحيوان ، وبالإضافة إلى الأطراف الخارجة عن هذا المزاج في النوع الواحد بالزيادة والنقصان . فأما المعتدل الذي يتصور فيه تساوى الكيفيات على الحقيقة ، فليس يمكن أن يوجد على ما تبين مما قلناه ، وسنبين هذا أكثر بعد . ( 15 ) قال جالينوس : فزعم هؤلاء أن من خواص المزاج المعتدل أن يكون الحار فيه أكثر من البارد ، والرطب أكثر من اليابس . لأن البارد إذا غلب عليه غلبة يسيرة أحدث سوء مزاج ، وإذا غلب أكثر أحدث مرضا ، وإذا غلب غلبة شديدة أحدث موتا . وكذلك يعرض في اليابس . ( 16 ) قال : ويلزمهم مثله في المزاج الحار الرطب ، أعنى أنه إذا غلب غلبة يسيرة أحدث مرضا ، وإذا غلب غلبة مفرطة أحدث موتا ، لأن القياس فيهما واحد . ( 17 ) قلت : إن الفرق بينهما أن الحار الرطب يوجد في جنسه المعتدل وغير المعتدل ، والبارد اليابس لا يوجد في جنسه المعتدل . وذلك أن هؤلاء يقسمون المزاج الحار الرطب ، فيقولون منه معتدل ومنه خارج عن الاعتدال ، ولا يقولون في سائر الأمزجة ذلك .