ابن رشد

74

مجموعة الرسائل ( تسع رسائل )

( 11 ) أقول : إنهم تركوا المزاج المتقدم على هذه وهو المعتدل ، فإن هذه الأربعة لا تفهم إلا بالقياس إلى هذا المزاج ، وصناعة الطب إنما تطلب رد المزاج الخارج عن المعتدل إلى المعتدل ، بأن تسخن ما صار أبرد من المعتدل بقدر ما نقص عن المعتدل ، وتبرد ما زاد على المعتدل في السخونة بقدر ما زاد عليه . وكذلك يفعلون فيما خرج عن الاعتدال إلى اليبوسة أو الرطوبة . ( 12 ) فقد كان يجب عليهم أن يذكروا أولا هذا المزاج ولا يلغوا ذكره ، إلا أن بعضهم قال إن هذا المزاج محصور في الحار الرطب ، فيقال لهم يقولوا إن الأمزجة خمسة . وذلك أنه لا يخلو الأمر من أحد وجهين : أما أن تكونوا تركتم واحدا من أصناف الأمزجة الردية ، وهو الذي تغلب عليه الحرارة والرطوبة غلبة مفرطة ؛ وإما أن تكونوا تركتم المعتدل ، وهو الأظهر من قولهم . وذلك أن قولهم مزاج حار يابس أو بارد رطب ، ليس ينبغي أن يفهم من ذلك الكيفيات الغالبة على ذلك المزاج . فإن كان المعتدل هو المزاج الحار الرطب ، فقد تركوا المزاج الحار الرطب المضاد للبارد اليابس ، وهذا هو الذي يغلب عليه الحر والرطوبة ، والمعتدل هو الذي لا يغلب عليه كيفية من الكيفيات غلبة إفراط . فإن كان المعتدل الحار الرطب كان الحار قد وضع غالبا فيه غير غالب ، وكذلك تكون الرطوبة غالبة لا غالبة ، وذلك مستحيل . فينبغي أن يكون مزاجا رديا ما تغلب الحرارة والرطوبة عليه . ( 13 ) قلت : هذا لا يلزمهم ، لأن الحار الرطب يختلف بالأقل والأكثر ، فتكون الغلبة التي للمعتدل منه دون الغلبة التي في الردى منه ، وقوله إن المزاج المعتدل هو الذي لا تغلب عليه كيفية من الكيفيات غلبة إفراط ، هو حق . ولكن يلزم أن تكون بعض الكيفيات هي الغالبة عليه لا غلبة مفرطة ، وذلك أنه قد تبين