ابن رشد

108

مجموعة الرسائل ( تسع رسائل )

والطريق الطويل الذي يوقف في سنتين أو أكثر ، جزء من الطريق الذي لا يوقف على الحق في عمر الإنسان كله . ( 18 ) وأما أنا فأقول إني قد لمست أبدانا كثيرة بعناية من أبدان الفتيان والمتناهين في الشباب ، فوجدت أنه لا يصدق ولا واحد من الفريقين ، لا من حكم حكما مطلقا ، أن المتناهين في الشباب أسخن ، ولا من قال إن الصبيان أسخن ، وذلك أنك إذا نظرت إلى الحرارة التي توجبها السن فقط دون التغايير التي تعرض من الأحوال غير المتشابهة التي تعرض لها . لكن ، إن رميت بذهنك إليها ، لم تجد حرارة أحدهما تزيد على حرارة الآخر ، لكن حرارتهما مختلفتان بالكيفية ، اليابسة والرطبة ، وهو الذي غلطهم . وذلك أن حرارة الصبى تجدها أقرب إلى طبيعة البخار ، وهي مع ذلك كثيرة لذيذة ، وحرارة الشباب فيها شئ من حدة ، وليست باللذيذة ، وهذا هو الذي غلطهم . وأما المرتاض في هذا الباب ، فإنه يقدر أن يعرف الحرارة التي هي أقوى ، والحرارة التي هي أضعف ، والحرارة المساوية لها ، من غير أن يغلطه اختلاف أحوالها في اللمس . فقد نجد حرارة الصبى إذا لمستها إما مساوية لحرارة المتناهى في الشباب أو أكثر منها قليلا ، وإن كانت في جوهرين مختلفين : أحدهما رطب ، والآخر يابس . ومثال ذلك أن حرارة الحمام قد تبلغ من الشدة ما لا يقدر أحد على احتماله ، وتبلغ من الاعتدال ألا يقدر أحد أن يعرق فيه . وكذلك نجد هاتين الكيفيتين في سائر الأبازن « 17 » أعنى أنه قد تبلغ من الحرارة إلى قدر لا يحتمل ، وتبلغ من الاعتدال إلى قدر يستلذ . وأنت إذا سئلت عن المزاج الحار الذي في الهواء ، والمزاج الحار الذي

--> ( 17 ) أبازن مفردها أبزن : حوض من المعدن ونحوه للاستحمام . .