ابن رشد
106
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل )
( 14 ) قال : والبرهان هو أن يصار من الأسباب المتقدمة إلى المتأخرة ، ولذلك أرى أن الأجود في هذا التعليم أن نبتدئ بشرح الأسماء ، ثم نبحث عن الأمزجة . والبحث عن الأمزجة يكون بالبحث أولا عن الاسطقسات هل هي مما تقبل التأثير أولا تقبله . والحق هو أن ما كان من الأشياء الظاهرة للحس فلا نلتمس البرهان عليه ، ومعرفته إنما هو من قبل الحس ، وما كان من الأشياء الخفية من الحس فلنلتمس البرهان عليه من جوهر الشئ وطبيعته لا من الأمور العارضة له ، والطريق إلى هذا هو أن نفعل ما قلنا في المقالة المتقدمة بأن نقسم الحارّ والبارد إلى ما هو بالفعل وإلى ما هو بالقوة ، وكذلك نفعل باليابس والرطب ، ثم ننظر فيما هو بالقوة حار أو بارد ، مثل الشراب ، والزيت ، والأدوية بالجملة ، والأغذية بالبرهان . ( 15 ) وأما ما هو بالفعل فلا سبيل إلى معرفته إلا من قبل المجسة والحس ، وإن كان عند أحدهم وجه آخر به تسير الملموسات فليدل عليه ، وإن لم يكن عندهم سبار فليلمسوا كثيرا من الرجال المستكملين في الشباب ، ومن المشايخ ، ومن الصبيان ، ومن الأطفال ، فإنهم إذا فعلوا ذلك أدركوا أيهم استحق على التحقيق . وذلك أن الحار في هذه المحسوسات الملموسة كالحال في سائر المحسوسات الباقية . فكما أن اللون ليس يعرف بشئ سوى البصر ، كذلك الحار والبارد ليس يدرك بسوى حس اللمس . وإن كانوا لا يصدقون بحاستهم في هذه الكيفيات ، فلا يصدقون حواسهم في شئ من المحسوسات ، لا في المرئيات ، ولا في المسموعات ، ولا في المشمومات . ( 16 ) قال : وما كان ينبغي بقوم قد اختاروا أفضل جميع المقالات في الاسطقسات من الفلسفة أن يبلغ من غلطهم ألا يعلموا أن مبادئ البرهان هي الأمور الظاهرة للحس .