ابن رشد

102

مجموعة الرسائل ( تسع رسائل )

هذه ، وذلك أنه يأكل قصدا ، ويشرب قصدا ، ويستمر في طعامه على ما ينبغي في معدته ، وفي جميع أعضاء الهضم . وبالجملة فإن الأفعال التي تعرف بالطبيعية والنفسانية تكون منه بحال لا يلزم منها شئ ، وذلك أنه في حواسه وتنفسه وحركاته ولونه على أفضل الحالات . وهو متوسط بين الكثير النوم والقليلة ، وبين الأزهر والأزب ، والأدم والأبيض ، وشعره ما دام صبيا أميل إلى الشقرة منه إلى السواد . فإذا بلغ منتهى الشباب صار على ضد ذلك . ( 6 ) قال : وإذ قد ذكرنا اختلافه في الأسنان ، فلا بأس أن تقول في الأسنان هنا . وكنت أحب أن أذكر أولا أسباب هذه الدلائل ، لتكون المعرفة بذلك أوثق وأسهل . لكن رأيت أن البحث عن أمر الأسنان أهم علينا في هذا المكان . ( 7 ) فنقول : إن حدوث الحيوان أولا في الرحم لما كان من الدم المنى ، وهما حاران رطبان ، فواجب أن يكون الحيوان في أول كونه في غاية الحرارة والرطوبة ، ثم لا يزال هذا الممتزجان فيه يجفان قليلا ، فتتخلق عن ذلك الأغشية والطبقات والأحشاء والأوعية والعروق ، ثم تتخلق بآخره العظام والغضاريف والأظفار وذلك يكون أولا . والأعضاء الآخرة مثل العظام تحدث عن الجمود ، وذلك يكون أخيرا . وإذا استكملت هذه الأعضاء في الجنين ، فإنه عند ذلك يولد ، ولذلك تكون العظام في الأطفال في أول الولادة رطبة ، حتى أن القوابل ليسوا ينهن في ذلك الوقت ، ويقومن أشكالهن ، كما تقوم الأواني المعمولة من الشمع . وهكذا الأمر في مزاج كل حيوان يولد ، ولذلك لا يستلذ أكله ، لأن لحمه مخاطى ، وبخاصة صغار الخنازير والحملان . وأما الجدى فلما كان زاد اللين أجف من هذه ، كان لحمه أفضل من تلك اللحوم وأجف وألذ في الصغر . وما قد انتهى من