ابن الجوزي

تصدير 2

لقط المنافع في علم الطب

وانطلاقا من هذه المسلمة الإيمانية اتخذ أطباء الحضارة الإسلامية منهجا علميّا واضحا يعتمد في العلاج - بصورة عامة - على أثر التغذية في الإسقام والإبراء . فهذا أبو بكر الرازي يقول : " مهما قدرت أن تعالج بالتغذية فلا تعالج بالأدوية ، ومهما قدرت أن تعالج بدواء مفرد فلا تعالج بدواء مركب " ، بل إنه كثيرا ما يفضل أن تكون الأدوية من جنس الأغذية ، اعتقادا بأن الأمة أو الطائفة التي غالب أغذيتها من الأطعمة البسيطة المفردة تكون أمراضها قليلة ، ويعتمد طبها على المفردات ؛ فأهل المدن الذين غلبت عليهم الأغذية المركبة يحتاجون إلى الأدوية المركبة ، لأن أمراضهم في الغالب مركبة ، بينما تكفى الأدوية المفردة لعلاج أهل الصحارى والبوادي ، لأن أمراضهم مفردة . ويضيف داود الأنطاكي إلى طرق العلاج أمرين مهمين ، هما : الزمان الذي يقطع فيه العشب ، والبيئة التي ينمو بها ، وذلك استنادا إلى قول أبقراط : " عالجوا كل مريض بعقاقير أرضه ؛ فإنه أجلب لصحته " . والباحث في كتب التراث الإسلامي المعنية بالطب والصيدلة يجد هذه المنهجية الإيمانية التجريبية واضحة في فكر أطباء وصيادلة الحضارة الإسلامية الذين حرصوا على تدوين ما يصفون للمرضى من أدوية ، وكتبوا عن " الأقربازين " الذي كان يعنى عندهم تركيب الأدوية المفردة وقوانينها ، وأصبح يعنى في عصرنا علم طبائع الأدوية وخواصها . وقد انعكست هذه المنهجية الإسلامية في كل ما كتب عن علم العقاقير والعلاج بالأدوية ، الأمر الذي جعل هذه المؤلفات تحظى باهتمام علماء الشرق والغرب وتؤثر فيهم تأثيرا عظيما . من ناحية أخرى ، تشهد العلوم الطبية والصيدلية في عصرنا الحاضر قفزة نوعية هائلة ، نتيجة للتطور السريع في التقنيات المستخدمة ، وأساليب علاج الأمراض ، خاصة بعد أن دخلت البشرية عصر التقنية الحيوية والهندسة الوراثية لعلاج الأمراض ، وقد أدى هذا إلى رصد العديد من السلبيات على الطب الحديث ، أهمها ما يحدث من أضرار جانبية للأدوية ، بالإضافة إلى