ابن الجوزي

24

لقط المنافع في علم الطب

وليعلم أن في المأكولات ما يسبب إفساد العقل ، وفيها ما يزيد في السوداء ، فيوجب الماليخوليا ، فترى صاحبها يحب الحلوى ، ويهرب من الناس ، وقد يقلل المطعم ، فيقوى مرضه ، فيتخايل خيالات يظنها حقّا ؛ فمنهم من يقول : إني رأيت الملائكة ! وفيهم من يخرجه الأمر إلى دعوى محبة الحق ، والوله « 1 » فيه ، ولا يكون ذلك عن أصل معتمد عليه . وإنما العاقل العالم يسير في الطريق بين الرفيقين : العلم والعقل . فإن تقلل من الطعام ؛ فبعقل ، وحد التقلل : ترك فضول المطعم ، وما يخاف شره من شبهة وشهوة يحذر تعودها . وأما زيادة التقلل مع القدرة ؛ فليس لعقل ولا شرع إلا أن يكون الفقر عم ؛ فيقلل ضرورة . ومن تأمل حال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه وجدهم يأخذون بمقدار ، ولا يتركون حظوظ النفس التي تصلحها . وأحسن الأمر وأعدله قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « ثلث طعام ، وثلث شراب ، وثلث نفس » ، وقد قال لعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه وهو مريض : « أصب من هذا الطّعام ؛ فهو أوفق لك من هذا » ، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يشاور الأطباء ويحتجم ، ويحث على التداوي ويقول : « ما أنزل اللّه من داء إلا وأنزل له شفاء ؛ فتداووا » . فجاء أقوام جهلوا العلم والحكمة في بنيان الأبدان ؛ فمنهم : من أقام في الجبال يأكل البلوط « 2 » فأصابه القولنج « 3 » ، ومنهم من قلل المطعم ، إلى أن ضعف قواه ، ومنهم : من اقتصر على نبات الصحراء ، ومنهم : من كان لا يتقوت إلا الباقلاء « 4 » والشعير ؛ فأوجبت هذه الفعال أمراضا في البدن وطرقت إلى إفساد العقل .

--> ( 1 ) الوله : ذهاب العقل والتحير من شدة الحب . ( 2 ) البلوط : شجر حراجي غليظ الساق ، متين الخشب ، ثمرته تشبه الكستناء . ( 3 ) القولنج : المغص الذي يصيب الأمعاء . ( 4 ) الباقلاء : الفول عند أهل بغداد .