ابن الجوزي
25
لقط المنافع في علم الطب
واتفق لهم قلة العلم ؛ إذ لو علموا لفهموا أن الحكمة تنهى عن مثل هذا ؛ فإن البدن مبني على أخلاط ، إذا اعتدلت وافقت السلامة ، وإذا زاد بعضها وقع المرض ؛ وأكثر هؤلاء مرضوا ، وتعجل لهم الموت ، وفيهم من خرج إلى السودن « 1 » ، وفيهم من لاحت له لوائح ، فادعى رؤية الملائكة . . إلى غير ذلك . فأما أهل العلم والعقل ؛ فهربهم من الخلق لخوف المعاصي ، ورؤية المنكر ، وفيهم من قويت معرفته ، فشغلته معرفة الحق ومحبته عن ملاقاة الخلق . فهذه هي الخلوات الصافية ؛ لأنها تصدر عن علم وعقل ، فتحفظ البدن ؛ لأنه ناقة توصل . ولا ينبغي أن يتهاون بالمأكولات ، خصوصا من لم يعتد التقشف ، ولا يلبس الصوف على البدن من لم يعتده . ولينظر في طريق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وصحابته ؛ فإنهم القدوة ، ولا يلتفت إلى بنيّات الطريق « 2 » فيقال فلان الزاهد قد أكل الطين ! وفلان كان يمشي حافيا ! وفلان بقي شهرا ما أكل ! فإن المحققين من هؤلاء المخلصين للّه تعالى على غير الجادة ؛ لأن الجادة اتباع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ، وما كانوا يفعلون . هذا ولعمري إنه قد كان فيهم من يقنع بالمذقة « 3 » من اللبن ، ويصبر الأيام عن الطعام ، ولكن إما لضرورة ، أو لأنه معتاد لذلك ؛ كما يعتاد البدوي شرب اللبن وحده ، ولا يؤذيه ذلك ، وفي الحديث : « عودوا كل بدن ما اعتاد » « 4 » .
--> ( 1 ) أي غلبت عليه السوداء ، وهي اضطرابات مصحوبة بالحزن العميق والتشاؤم العام ، وما زال هذا الحرف مستعملا في بلاد الشام . ( 2 ) بنيات الطريق : الترهات . ( 3 ) الجرعة من اللبن الممزوجة بالماء . ( 4 ) قال ابن القيم في « زاد المعاد » 4 / 104 : هو من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب . ولا يصح رفعه ، ويقصد المؤلف بكلمة الحديث المعنى اللغوي لا الاصطلاحي ؛ والدليل قول المؤلف في صيد الخاطر 459 كذلك وقد قيل : عوّدوا كل بدن ما اعتاد .