عبد الملك بن زهر الأندلسي

33

النشاط والقوة والشفاء في الأغذية ( كتاب الأغذية )

ذكر في أجزاء الحوت شر أعضاء الحوت رأسه وأصلحه قلوبه وكبوده دون قلوبه . وأما مآخره فخير من مقادمه بسبب إدامة حركة مآخره . وفضلت قلوبه لأن قلب كل حيوان أحر من الحيوان بنفسه وكذلك كبده غير أن الكبد في نهاية من الرطوبة وهذا يخيل أن كبد الحوت غير محمودة . وليس الأمر كذلك لأنها معدن الهضم فتكون رطوبتها تصحبه لا على ما تكون رطوبة سائر الأعضاء . فإن اعترض معترض بأن يقول : إن الرطوبة التي في سائر الأعضاء قد تواتر الانهضام عليها مرارا في الكبد ثم في العروق ثم في الأعضاء . فالجواب كل هضم يناله إنما هو بالكبد وعنها ربما ينبعث . ثم إن قولي رطوبة اسم واقع على الرطوبة الأصلية في الأعضاء من حيث إنها عضو كذا ويقع على كل رطوبة تكون في أي عضو كانت قد اندفعت إليه على طريق تنقية غيره من الأعضاء عنها أو بوجه آخر ، وهذه الرطوبة الأصلية لا جرم أنها في جوهر الكبد أنضج منها في سائر الأعضاء . وأما الرطوبة الأخرى التي قلت تكون في عضو لتنقية عضو أقوى منه عنها فإن هذه الرطوبة لا تتصور أنها تكون في الكبد والحيوان باق على صحته بوجه فإن الكبد ينبوع الحرارة الطبيعية بحكمة اللّه عز وجل . فالمرض كاد يبادر لجميع ذلك الحيوان لشرف الكبد ويسارع إليه فإذا تبين أن الرطوبة التي في جوهر الكبد أنضج فلا يشك أحد أن كبد الحوت أصلح من دمه . وأما شحم الحوت فإنه غليظ الجوهر إذا قيس من حيث إنه شحم ، وكذلك دمه من حيث إنه دم وسأذكر ذلك عندما أذكر الشحوم وما قيل فيها وأذكر الدماء وما زعمت الأطباء فيها . وطيار الحوت أقل غلظا من سائر أنواعه ولذلك أمكنه الطيران كما أن الحيوان البري ما يطير منه ألطف جوهرا مما لا يطير . فإن عارضني معارض بأنّي وصفت الكركي وهو طائر بغلظة كتاب الأغذية / م 3