عبد الملك بن زهر الأندلسي

128

النشاط والقوة والشفاء في الأغذية ( كتاب الأغذية )

وقد تكون أمراض شاملة عامة أكثرها قتال ولم تجر عادة الناس أن يسموه وباء وهذا يكون إذا غلب القحط وتمادى واشتد الحر وأفرط . فإن أصحاب المزاج الحار يشملهم في ذلك الحال الضعف والذبول ويغلب اليبس عليهم غاية الغلبة وربما سبب يبس أعضائهم وانهتكت عروق في رئاتهم فيقعون في السل . وفي أول الحال يجب أن يتقدم الطبيب بما يرطب ويبرد بإدخال الناس في الأبازن العذبة المعتدلة . وأن يجعل أطعمتهم متخذة بدهن اللوز عوضا عن الزيت وأن يشممهم روائح البنفسج ونوار القرع وزهر النيلوفر . وأن يدهن أبدانهم بزيت الزيتون العذب مضروبا بمثله ماء عذبا وأن يعلق عليهم ستروحش الكتان مبلولة بالماء وأن يرش كللهم بماء الورد وماء التفاح . وأن يملأ بيوتهم تفاحا ونيلوفرا وبنفسجا أو ما أمكنه من هذا كله [ يدفع ] « 1 » به مضرة يبس الهواء وما أصاب فيه من النحول . وأما متى وصل الذبول في من وصل إلى الدرجة الثالثة فإن العلاج لا يفيد براءة ولكن العليل يجد به راحة والتذاذا . وذكر أبقراط أنه قد يكون وباء من غير سبب معلوم عندنا قال هو من غضب اللّه - عز وجل - وهذا إذا وقع ليس للطبيب فيه مجال . مثل ما وقع وأنا صبي صغير لرجل من الأطباء أصابته حرارة [ يسيرة ] « 2 » وسعلة خفيفة ثم نفث من يومه نفثا أسود ومات من قرب ولم يكن هذا إلا خاصا به وسبب هذا غير معلوم عندنا . فإن الرجل كان طبيبا ولم يكن يغفل إصلاح مزاجه وتعديله ولكنه جاء أمر إلهي . وأذهان البشر تقصر عن معرفة شيء إلا ما جعل اللّه في وسعها معرفته ولولا ما أنعم اللّه علينا من العقل والحواس لم نعرف شيئا مما نعرفه ولا تخيلنا شيئا مما نتخيله والذي ندركه كثيرا جدا .

--> ( 1 ) في الأصل : « يدافع » ، ولعل الصحيح ما أثبتناه لسلامة المعنى واتّساق الكلام . ( 2 ) في الأصل : « فيسيرة » ، ولعل الصحيح ما أثبتناه لسلامة المعنى واتّساق الكلام .