المبشر بن فاتك

62

مختار الحكم ومحاسن الكلم

بروسيداس قد أخذت عن العربية مباشرة ، فإن المسألة سترتد حينئذ إلى هذا السؤال : هل هناك من الاختلاف بين الترجمة اللاتينية وبين الترجمة الإسبانية الأصيلة ما يحمل على القول بأن هذه الأخيرة قد أخذت عن الأصل العربي ولم تؤخذ عن الترجمة اللاتينية ؟ حتى إذا ما حلّت هذه المسألة ، تساءلنا بعد هذا : أيهما الأقدم : الإسبانية الأصيلة ، أو الإسبانية الملفّقة ؟ ونبدأ بهذه المسألة الأخيرة فنقول : أما من حيث المخطوطات وتواريخها فالأمر سواء ، لأن جميع ما لدينا من مخطوطات الترجمتين الأصيلة والملفقه يرجع إلى القرن الخامس عشر . أما من حيث ما يقضى به المنطق فهو أن تكون الأصيلة هي الأقدم ، لأنها تتابع الأصل العربي تماما دون تقديم ولا تأخير ولا عبث بالأسماء ، حتى لو كانت هذه الأصيلة مأخوذة عن الترجمة اللاتينية . ولكن قد يعترض على هذا فيقال : بل لعل الأمر على العكس - وهو أن تكون الترجمة بدأت على هذه الصورة الملفّقة ، ثم لما رأى القوم الترجمة اللاتينية وعرفوا أنها أقرب إلى الأصل ، اتخذوا اللاتينية أساسا ونقلوا عنها ونحن نعرف أن الترجمة اللاتينية ترجع إلى الربع الأخير من القرن الثالث عشر ونعرف من ناحية أخرى أن الفصول السبعة التمهيدية التي تشبه باب « بعثة برزويه » في « كليلة ودمنة » إنما اخترعها صاحب الترجمة الملفّقة اختراعا وقيل إنه أراد أن يصور ألفونسو الحكيم تحت اسم بونيوم Bonium ملك فارس المزعوم الذي قام بهذه الرحلة إلى الهند للظفر بهذا الكتاب ، وألفونسو الحكيم ، ملك قشتالة وليون ، ولد في طليطلة في 23 نوفمبر سنة 1221 ، وتوفى في أشبيلية في 4 أبريل سنة 1284 ، واشتهر باسم « الحكيم » خصوصا لأنه شجع وعاون على ترجمة الكتب العلمية العربية إلى الإسبانية القديمة ، بل وبعض الكتب الأدبية مثل « كليلة ودمنة » ، وكان هو يشارك في بعض هذه