المبشر بن فاتك

419

مختار الحكم ومحاسن الكلم

وقالوا : إن كنت إذا قلت للسموم القاتلة : لا تكوني للناس إلا نافعة تكن نافعة غير قاتلة فيسترجع من كان طباعه طباع الشر خلقة بالكلام حتى يكون كمن طباعه طباع الخير خلقة ؛ وإذ كانت السموم لا تحول عن طباعها فليس يحول طبع « 1 » الشرير حتى يكون خيّرا بالكلام . وقالوا : تعليم الشرير الخير كطرح البزر في السباخ : يأثم من طرح ما ينتفع به فيما لا يجدى خيرا ، وتعليمك الشرير أسرار الخير إثم عظيم لأنك كمن يلقى ماء صافيا ينتفع به في حمأة منتنة فيفسد الماء ، والحمأة على حالها . وقالوا : واجب على العالم أن يكون لبّ ما يحسنه حفظا لا مكتوبا ، خوفا من السّرّاق ومن لا يستحقه . وقالوا : الأحوال بالناس متصرفة . فتفقّد في كل وقت من وثقت به وسيرته ، واستقص أمره لتعرف ثباته من زيغه . وقالوا : البطالة داعية إلى « 2 » الجهالة ، والجهالة داعية « 2 » إلى الضلالة . وقال بعضهم : ما أعجب من يكره الوسخ في ظاهره ولا يباليه في طيته « 3 » ! وقال آخر : طلب أهل الدنيا الراحة فوقعوا « 4 » في التعب الشديد . وكيف يهتدى إلى الراحة من لا يعرفها ولا يعرف الطريق إليها ! شغلك - وإن أتعبك - للسعادة أنفع من راحة لذيذة الشقاء آخرها . وقالوا : الغذاء والماء وما يدفع به الحر والبرد عن البدن والمكان الذي يسكن موجود لك في كل بلدة إلا أن يقنعك ما تدعوك إليه الحاجة ، فتكون عبدا وتابعا للشهوات الضارة لك .

--> ( 1 ) د : طباع . ( 2 - 2 ) ما بينهما ناقص في د . ( 3 ) د : باطنه . ( 4 ) د : فقعوا .