المبشر بن فاتك

377

مختار الحكم ومحاسن الكلم

يرثها بعدهم ، ولا يهتمون بأن يعلنوا كنوز الحكمة المحمودة التي لا فاقة على أهلها والتي ورثوها أحباءهم لم يمنعهم ذلك من أن يزودوها حيثما ذهبوا فلا تفارقهم ، والعلماء يشهدون حيث يقال : ما مات فلان لأن حكمته لم تمت . وقال : فرسوس : ليس يوافقني أقوام ينشرون حكمتهم عند رجال لم يمروا على باب الحكمة مجتازين قط . وكما أن صاحب اللسان « 1 » البربرى لا يستطيع أن يفهم عن أهل الألسنة الغريبة منه ، كذلك لا يستطيع الجاهل أن يسمع من الحكيم . وكيف يستطيع ذلك ، وهو لا يدرى ما الحكمة ، وإنما ينزل ذلك اللؤلؤ المنثور بين يديه بمنزلة الحجارة والكذّان « 2 » ؛ إلا أن كلام الحكمة تلك التي صنفت عنده تؤذى وتكذّب حتى يهبّ [ 121 ب ] لذلك الجاهل فتدق باب أذنه المسدود فلا يفتح لها . فليتفقد ما ينبغي لها من التوقير والتعظيم ، ولا يصيّر كلامه على باب السفيه يعالج مشقة وترحا فلم يكن الأذى أصابها من قبل ( من ) ردها ولم يقبلها وحده ، لكن قد شاركه في ذلك الذي أوردها ذلك المورد على ذلك الجاهل الذي لا يفصل بين الأمور . وقال فيدروس « 3 » : كما أن الجسد حين تفارقه النفس يفوح منه النتن في مناخر قابريه ومن دنا منه - فكذلك الجاهل العديم من الحكمة التي هي النفس الثانية لا تخرج من فيه لفظة إلا كانت أذى ونتنا على سامعيها . وكما أن الجسد لا يشعر بما يظهر منه من النتن لأنه ميت ، فكذلك لا يحسّ الجاهل بنتن كلامه لأنه لا يفصل بين الأمور .

--> ( 1 ) ل : لسان . ( 2 ) الكذان : حجارة رخوة نخرة ، الواحدة : كذائه . ( 3 ) ل : قيدروس . وفي الترجمة اللاتينية Quedrus . وفي « الكلم الروحانية في الحكم اليونانية » ورد اسمه : فندروس - ثم أورد كلامه المذكور هنا ولكن بعبارة تختلف عن النص هنا بنص الاختلاف ( « الكلم الروحانية » ص 114 . القاهرة سنة 1900 م ) .