المبشر بن فاتك

378

مختار الحكم ومحاسن الكلم

وقال جورخليس : طوبى للحكماء الذين هم قليل ! وكل الناس يشتهى أن يسمى حكيما . ولا يجرى بحبه اسمه ولا يستطيع الاسم أن يتبعه ، ولكن إنما يتبع من سعى للحكمة سعيها وصابر على لزومها . وإنما يعظم عندي ويجل في عيني من استطاع أن يعلم نفسه ويؤدبها . فأما تعليم الناس وتأديبهم فهيّن خفيف ، لكن المشقة الشديدة في تعليم المرء نفسه . وقال ايكسنفون « 1 » : إنما ينبغي للحكيم أن ينظر إلى الأمر الذي قد استوثق من علمه وعقده في قلبه ومكن في لبه فصار هو أمره الذي يسكن به فيكون إياه يعلم من علم ، فإن من الأمر الفاحش أن يعلم الرجل الناس شيئا ويدعوهم إليه ويرضى لهم أن يكونوا عليه ولا يرضاه لنفسه [ 122 ا ] وقال اوجانس : رأيت الناس إذا قدّم إليهم الطعام تكلفوا تعظيم المصابيح والإكثار من الدهن لينظروا ما يدخلون بطونهم من الطعام الذي لا لبث له معهم ، ثم لا يهتمون لطعام النفس الموقرة ، ولا يهتمون « 2 » بأن يتكلفوا في ذلك مؤونة ولا أن ينيروا مصابيح النّهى بالعلم والفهم ليبعدهم ذلك من عثار العلم ويسلموا به من لواحق الجهالة والذنوب . وقال يوسوبورس : فكّروا في اللذة فإنها مضمنة بالقبيح ، ثم فكروا في انقطاع اللذة وبقاء ذلك القبيح . وقال مسقولوس الأنانى : كان وجودي الحق أن عرفت الحق ، ولست بالغا صفته إلا أنى أعلم أنه موجود . وقال اقربطون : قد زادنى بصرا على أنه ليس أحد إلا الموت له ضار إلا الحكماء . فمن استكمل الحكمة فليتمن الموت ؛ ومن أخطأها فليهرب من الموت

--> ( 1 ) - Xenophon . ( 2 ) ل : يهتموا .