المبشر بن فاتك

309

مختار الحكم ومحاسن الكلم

وكان بدء مرضه بقومس . واشتد بشهرزور . ومات بروستقباذ « 1 » . وكان قد وصى إذا هو مات أن تكفّن جثته وتجعل في تابوت من ذهب ، ويحمل إلى الإسكندرية فيوارى بها . فجعل في تابوت من ذهب حفظا لوصيته وإعظاما له عن الدفن . وأخرج محمولا على مناكب العظماء والأشراف من الملوك وأهل البيوتات حتى وضع وسط أهل مملكته من الملوك والحكماء والوزراء والأمراء وسائر طبقات الناس . وتكنّفه ذو القرابة من أهله ، الأخصّ فالأخصّ منهم . ثم قام زعيم القوم فقال : « هذا يوم عظمت العبر فيه ، وكشف الملك عنه ، وأقبل من شرّه ما كان مدبرا ، وأدبر من خيره ما كان مقبلا . فمن كان باكيا على ملك فليبك ، ومن كان متعجبا من حدث فليتعجب » . ثم أقبل على الحكماء والعلماء فقال : « يا معشر الحكماء ! ليقل كل امرئ منكم قولا يكون للخاصة معزيا وللعامة واعظا ! » فقام بعض تلاميذ ارسطوطاليس « 2 » فضرب بيده على التابوت وقال : « أيها المنطيق ! ما أخرسك ! أيها المعزز « 3 » ، ما أذلّك ! إني وقعت في هذا الموضع مثل الصيد في الشرك » . وقام آخر فقال : « كان الإسكندر يكنز الذهب والفضة ويصونه . والآن أصبح الذهب يصونه « 4 » ويكنزه » . وقام آخر فقال : « قد فارقت الأنجاس المذنبين إذ « 5 » وصلت إلى الأطهار الطيبين » . وقال آخر : « هذا الذي قهر الناس بملكه أمس قد أصبح اليوم لديهم مقهورا » . وقام آخر فقال : « هذا الذي كان بالأمس قويا عزيزا أصبح اليوم ضعيفا ذليلا » . وقال آخر : « هذا الذي كان أمس للملوك آسرا ، أصبح اليوم لدينا مأسورا » . وقال آخر : « هذا الذي طوى الأرض العريضة

--> ( 1 ) روستقباذ : هكذا يقترح ميسنز قراءتها مع ما يساوره من شك في صحتها . - ص ، ح : روسفاد ؛ ب : روسقاد . ( 2 ) ن : أرسطاطاليس . ( 3 ) ن : المغرور . ( 4 ) ن : يكنزه ويصونه . ( 5 ) ح ، ص ، ن : إن .