المبشر بن فاتك

310

مختار الحكم ومحاسن الكلم

ما بين الأفقين قد طوى في قدر ذراعين » . وقال آخر : « كان الإسكندر بالأمس يقدر على الاستماع ولا نقدر عنده على الكلام ، فاليوم نقدر عنده على الكلام ولا يقدر على الاستماع » . وقال آخر : « انظروا إلى حلم النائم كيف انقضى ! وإلى ظلّ الغمام كيف انجلى ! » وقال آخر : « كان الإسكندر حريصا على الارتفاع ، ولم يعلم أن ذلك أشدّ لصرعته » . وقال آخر : « كان الإسكندر يخافه من لا ينظر إليه ، فقد صار لا يخافه من ينظر إليه » . وقال آخر : « هذا الذي كان أعداؤه يكرهون قربه ، فقد صار أصدقاؤه لقربه أكره ! » وقال آخر : « كان الإسكندر بالأمس يدبّر الأمم بقوّته ؛ فاليوم قد عجز عن تدبير نفسه » . - وقال جماعات أخر من الناس من الحكمة والموعظة « 1 » مثل ما قال هؤلاء وحذفته اختصارا . وقد أوردته وباقي أخباره « 2 » في تاريخي الكبير مستوفى على تمامه . وحمل تابوته إلى الإسكندرية . فلما قرب من البلد أمرت أمه روفيا « 3 » أهل المدينة أن يتلقوه بأحسن هيئة ففعلوا ذلك . فلما أدخل التابوت عليها قالت : « العجب يا بنى لمن بلغت السماء حكمته ، وأقطار الأرض ملكه ، ودانت له الملوك عنوة - كيف هو اليوم نائم لا يستيقظ ، وساكت لا يتكلم ! فمن ذا يبلّغ الإسكندر عنّى فيعظم حباؤه منى وتجود منزلته عندي : بأنه وعظني « 4 » فاتعظت ، وعزّانى فتعزيت وصبرت . ولولا أنى لاحقة به ما فعلت . فعليك السلام يا بنىّ حيا وميتا ! فنعم الحىّ كنت ، ونعم الهالك أنت ! » - وحضرها جماعة من الحكماء ونطقوا بالحكمة والموعظة كما فعل من سلف ذكره .

--> ( 1 ) والموعظة : ناقصة في ح ، ص . ( 2 ) ن : الأخبار . - وقد أورد المسعودي في « مروج الذهب » ( ج 1 ص 180 - ص 182 ، القاهرة سنة 1346 ه ) أقوالهم بالتفصيل . ( 3 ) ص ، ح : زوفيا . ( 4 ) ص ، ح ، ن : قد وعظنى .