المبشر بن فاتك

305

مختار الحكم ومحاسن الكلم

ثم سار إلى البرهمانيين لما بلغ إليه من علمهم وحكمتهم « 1 » . فلما بلغهم مجيئه أنفذوا إليه جماعة من علمائهم . وكتبوا إليه : « من البرهمانيين القرّاء إلى ذي القرنين : فإن كنت إنما أتيت لقتالنا فليس عندنا ما تقاتلنا عليه ؛ فارجع فإنّا مساكين وليس لنا إلّا الحكمة بلا أموال ، والحكمة لا تنال بالقتال . وإن كانت الحكمة طلبك من قبلنا ، فارغب إلى اللّه يعطكها « 2 » » . فلما قرأ كتابهم أمر أصحابه بالوقوف ، وسار إليهم في عصبة يسيرة . فرأى قوما عراة مساكنهم مظال مغائر « 3 » ، وأبناؤهم ونساؤهم في السهول يجتنون البقل . فسألهم « 4 » ، وجرت بينه وبينهم مجاورات ومسائل كثيرة في « 5 » العلم والحكمة . ثم قال لهم : « سلوني لعامّتكم » ! فقالوا : « نسألك الخلود لا نريد غيره » . فقال لهم : « وكيف يقدر على الخلود لغيره من لا يملك لنفسه زيادة ساعة في عمره ؟ ! هذا ما لم يملكه أحد ! » فقالوا له : « إن كنت تعلم هذا ، فما تريد من قتال هذا الخلق وإبادتهم وجمع كنوز الأرض وأنت مفارقها ؟ » فقال لهم : « إني لم أفعل ذلك من قبل نفسي . ولكن ربى بعثني لإظهار دينه وقتل من كفر به . أما تعلمون أن أمواج البحر لا تتحرك حتى تحركها الريح ؟ ! فكذلك أنا : لو لم يبعثني ربى لم أبرح من موضعي ، ولكنّى مطيع لربى ، منفذ أمره حتى يأتيني أجلى فأفارق الدنيا عريان كما جئتها » « 6 » . ثم انصرف عنهم ، وكتب إلى معلّمه أرسطوطاليس يخبره بعجائب ما جرى له وعجائب ما رأى في بلاد الهند ويستطلع رأيه فيما يفعله من سياسة أمره وتدبير البلاد والأمم .

--> ( 1 ) ص ، ن ، ح ، ب : وجمعهم . والتصحيح عن الشهرزوري . ( 2 ) ح ، ص ، ن ، ب : يعطيكها . ( 3 ) ح ، ص : المظال والمغائر . ( 4 ) ح ، ص : فساءلهم . ( 5 ) ح ، ص : من الحكمة . ( 6 ) راجع عن لقاء الإسكندر مع البراهمة العراة : U . Wilcken : Alexander der Grosse und die indischen Gymnosophisten . Sitz . - Ber . d . preuss . Akad . d . Wissenschaften . Betlin , 1923 .