المبشر بن فاتك
304
مختار الحكم ومحاسن الكلم
النار « 1 » . وزحف « فور » إلى الإسكندر بالرجال والفيلة والسباع ، فتبادر الفيلة إلى تلك التماثيل يظنونها أناسا ، ولوت خراطيمها عليها . فالتهبت النار فيها فأحرقتها . واشتدت السباع عليها فأصابها مثل ذلك ، فولى جميعها على الأدبار ؛ فطحنت « 2 » جنود « فور » وقتلتهم . وحمل ذو القرنين وأصحابه بعقب ذلك عليهم وقاتلوهم إلى الليل . ولم يزالوا كذلك عشرين يوما حتى تفانوا ، وكثر ذهاب أصحاب ذي القرنين ؛ فخاف وأشفق ونادى : « يا فور ! إن الملك ليس برفعة له أن يورد جنده مورد الهلكة « 3 » وهو يقدر على دفعها . قد ترى فناء أصحابنا ؛ فما يدعونا إلى هذا ؟ تعال نقتتل أنا وأنت : فمن قتل صاحبه غلب على مملكته » . فأعجب ذلك « فور » لأنه كان عظيم الخلقة وكان ذو القرنين حقيرا . فمشيا جميعا والصفوف واقفة ، واستلّا سيفيهما « 4 » ، وأقبل فور مقتدرا . فلما قرب من ذي القرنين سمع في عسكره صيحة راعته ؛ فالتفت لينظر ما هي ، فاغتنمها الإسكندر فضربه ضربة على كتفه بسيفه فصرعه ووقع عليه . فلما رأى جنود « فور » هلاكه أقبلوا على القتال تأسّفا وحنقا بأشد « 5 » ما يقدرون عليه . فناداهم ذو القرنين : « علام تقاتلون وقد قتلت ملككم ؟ » فقالوا : « لا نزال نقاتلك ، أو نرد مورده ولا نلقى بأيدينا إليك تحكم فينا بالقتل . ولكن نموت كراما » . فقال الإسكندر : « من وضع سلاحه فهو آمن ! » فوضعوا السلاح ، فكف عن القتال ، ودخلوا في سلمه وأحسن إليهم . فأمر بجسد فور فطيّب وكفّن وفعل به ما يفعل بالملوك من الكرامة . ثم أخذ أمواله وما كان في أرضه من ذلك ومن السلاح .
--> ( 1 ) ن : النيران . ( 2 ) ح ، ص : وطحنت . ( 3 ) ح ، ص : الهلاك . ( 4 ) ح ، ص : بسيفيهما . ( 5 ) ن : أشد .