المبشر بن فاتك
260
مختار الحكم ومحاسن الكلم
إلى غيرك وتضيع من يدك . واعلم أن الأمور كلها أمران : صغير لا ينبغي أن تباشره بنفسك ، وكبير لا ينبغي أن تكله إلى غيرك . فإنك إن باشرت صغار الأمور شغلتك عن كبارها ؛ وإن صيرت كبارها إلى غيرك أضعت أكثر مما حفظت ، وأفسدت أكثر مما أصلحت . وقال : السخاء بذل ما يحتاج إليه عند الحاجة « 1 » وأن يوصّل ذلك إلى من يستحقه بقدر الطاقة . فمن جاوز هذا « 1 » فقد أفرط « 1 » وخرج عن حدّ السخاء إلى التبذير . وذلك أنّ من بذل [ 69 ب ] ما لا يحتاج إليه كان غير محمود ؛ ومن بذله في غير وقته كان كالباذل الماء على شاطئ البحر . ومن أوصل ما يحتاج إليه إلى « 2 » من لا يحتاج إليه وكان ذلك على غير استحقاق ، كان الجهد « 3 » عدوّه على نفسه . وقال : الحكمة رأس التدبير . وهي سلاح النفس ومرآة العقل . وبها تذلّ المكروهات وتعز المحبوبات . ما أحسن رأى من حقق في طلبها ! وما أبهى نتائج الحكمة في النفس ! وهي رأس « 4 » الممدوحات وأصل المفاخر . وكفى بالحكمة قدرا أن في حجة من رام إبطالها تثبيتها ؛ وقوله إن الحكمة باطل موجب لها أنها حق . وكفاها فضلا أن الجهل ضدها وخلافها ، وهو الذي ينتفى الناس كلهم منه ويتدافعونه أجمعون . بها تنال الدنيا حق المنالة . وهي القائدة إلى فوز العاقبة . وبها تنجو النفس من العذاب . وقال : أول منازع النفس الذكر . والرياسة تنتج حبّ الذكر . فإن طلبت من غير جهتها نتّجت الحسد . والحسد ينتج الكذب ، والكذب هو أصل المذمومات . ونتيجة الكذب في النفس النميمة . والنميمة تنتج البغضاء .
--> ( 1 ) مطموسة في ب . ( 2 ) إلى : ناقصة في ص ، ح . ( 3 ) ص ، ح : المجهد . ( 4 ) ص ، ح : أس .