المبشر بن فاتك

155

مختار الحكم ومحاسن الكلم

حاجة ؟ قال : نعم ! تصرف عنان « 1 » دابتك عنى ، فقد سترتنى جيوشك من ضوء الشمس . فدعا له الملك بكسوة فاخرة من ديباج وغيره ، وبجوهر ودنانير كثيرة ليحبوه بها . فقال له سقراط : أيها الملك ! وعدت « 2 » بما يقيم الحياة ، وبذلت ما يقيم الموت ؛ ليس لسقراط حاجة إلى حجارة الأرض وهشيم النبت ولعاب الدود . اعلم أيها الملك : الذي يحتاج إليه سقراط هو معه حيث توجّه . وكان سقراط يرمز في كلامه مثلما كان يفعل فيثاغورس . فمن كلامه المرموز قوله : عندما فتشت عن علّة الحياة وجدت الموت ؛ وعندما وجدت الموت عرفت حينئذ كيف ينبغي أن أعيش - أي : أن الذي يريد أن يحيا حياة إلهية ينبغي أن يميت نفسه من جميع الأفعال الجسميّة على قدر القوة « 3 » التي منحها ، فإنه حينئذ يتهيأ له أن يعيش حياة الحق . وقال : تكلم بالليل حيث لا تكون أعشاش الخفافيش - أي ينبغي أن يكون كلامك عند خلوتك لنفسك وأن تجمع فكرك ، وامنع نفسك أن تطلع في شئ من الأمور الهيولانيات . وقال : أسدد الخمس الكوى لتضىء مسكن العلّة - أي غمّض حواسّك الخمس عن الجولان فيما لا يجدى لتضىء نفسك . وقال : املأ الوعاء طيبا - أي أوع عقلك بيانا وفهما وحكمة . وقال : أفرغ الحوض المثلث من القلال الفارغة - أي أقص « 4 » ، عن قلبك جميع الآلام العارضة في الثلاثة الأجناس من قوى النفس التي هي أصل جميع الشرّ . وقال : لا تأكل الأسود الذّنب - أي احذر الخطيئة . وقال : لا تجاوزنّ الميزان - أي لا تجاوز الحق .

--> ( 1 ) في صلب ب : تصرف عنانك عنى . وفي الهامش كما أثبتنا ، وكذلك في ح . ( 2 ) ح : وعدت فيه بما . . . ( 3 ) التي : ناقصة في ب . ( 4 ) ح ، ب : اقصر .