ابن جزلة البغدادي

14

منهاج البيان في ما يستعمله الإنسان

فدعاه إلى الإسلام ، وبيّن له الأدلة الواضحة ، والبراهين البينة على أنه الدين الحق . فأسلم وحسن إسلامه في عام 466 ه « 1 » . والتزمت المصادر الصمت إزاء العديد من جوانب حياته . وغياب هذه المعلومات حجب عنا الكثير من سمات شخصيته التي كانت تستحق أكثر من ذلك . أخلاقه : اتسم بالكرم والسخاء ، والتواضع ورقّة الإحساس ، والشعور بمعاناة المرضى من الفقراء والمحتاجين ، والحرص على توطيد العلاقة بينه وبين معارفه ؛ فراعى ظروف مرضاه الاجتماعية ، وخاصة الفقراء منهم « 2 » . وقد قضى ابن جزلة حياته طالبا العلم ، مجالسا العلماء ، مجادلا خصوم الإسلام بالحجّة ، ساعيا لكسب قوته ، مطبّبا المرضى ، مؤلفا الكتب ، حتى مرض مرض موته ، فلم ينس أن يهب طلبة العلم أثمن ما يدّخره ، فجعل الكتب التي أنفق ثروته في شرائها ، وعمره في قراءتها صدقة جارية ، وأوصى بأن تكون وقفا ، فأودعت في مشهد الإمام أبي حنيفة رضي اللّه عنه . ولقي ابن جزلة ربّه في سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة « 3 » بعد حياة مليئة بالعطاء ، فاستطاع أن يسجل اسمه بين كبار علماء العربية في علمي الطب والصيدلة . - 2 - ثقافته وتكوينه ثقافته العامة : لم يقصر ابن جزلة ثقافته على علم الطب ، لكنه سعى لتعلم المنطق لما له من فائدة في المناظرة والجدل ، ودحض افتراءات الخصوم ، فأفاده ذلك في تأليف رسالتيه اللتين ردّ بالأولى منهما على من طعن عليه في مدحه الطبّ وموافقته الشرع ، وردّ بالثانية على « إيليّا القس » . وساعده علم المنطق على مناقشة العديد من آراء العلماء ومناظرتهم ، واستطاع - من خلال الأسلوب القائم على المقدمات المنطقية واستخلاص النتائج السليمة - إثبات صحة رأي ، أو دحض ادّعاء . وقد شهد له

--> ( 1 ) - وفيات الأعيان : 6 / 268 . ( 2 ) - المصدر السابق : 6 / 267 . ( 3 ) - المنتخبات الملتقطات : 2 / 832 . وينظر في تاريخ وفاته : المنتظم : 17 / 61 ، الكامل : ابن الأثير ، تحقيق : أبو الفدا عبد اللّه القاضي ، دار الكتب العلمية ، الطبعة الأولى ، 1407 / 1987 : 9 / 30 ، والبداية والنهاية : ابن كثير ، تحقيق : عبد اللّه التركي ، دار هجر للطباعة ، القاهرة ، الطبعة الأولى : 1419 / 1998 : 16 / 174 .