ابن بطلان ( ابن عبدون )
21
دعوة الأطباء
إلى المقابر بالثياب الديباج كأنها زهر البستان ! ولقد عدّ في يوم من أيام الوباء ما قد خرج من باب واحد من الجنائز فكان مائتي جنازة ممن كنت اطبه انا سوى من كان يطبه هذا الطبيب الذي في جواري . وكانت تقف لي كل يوم على باب داري خمسون بغلة من بغال الجند والكتاب سوى رسل التجار ، ومن تلك السنة صرت أتيه « 18 » من عمارة بن حمزة وأعز من عمرو بن معدي كرب « 19 » . فمن لنا مثل ذلك الموسم . ثم انشد يقول : قد ذقت من همه ما ليس بقلعه * أبو الحسين أو القلاع من ضرسي « 20 » يا أخي : اين كنت وأهل هذه البلاد لا ترى فيهم ، صحيح المزاج ولا مستغنيا عن التداوي والعلاج ، والجنائز تجلى كالعرائس وتحط على المعابر كالنجوم الزواهر ، وأصوات الصوائح في المآتم والنوائح كترنم المزاهر « 21 » واضطخاب الآلات والمزامر ، ومغسلو الموتى لا يوصل إليهم الا بالملاطفات ، والأطباء يتزاحم على دكاكينهم بالمهاري « 22 » والبغلات . اليوم وحقك الناس متشاغلون بتصفيف « 23 » القناني والاقداح واخيار
--> ( 18 ) اي أكثر فيها من عمارة بن حمزة أحد الأثرياء المتكبرين آنذاك . ( 19 ) عمرو بن معدي كرب ( 590 - 643 م ) شاعر وفارس عربي من اليمن قدم إلى الرسول فأسلم وشهد فتوح الشام والعراق وفارس . واشتهر بالقوة والشجاعة فاتخذه الأدباء الشعبيون مثالا للبطل العربي . ( 20 ) ورد هذا البيت في نسخة زلزل ونسخة الأصل بشكل مضطرب . والصواب ما أثبتناه . ( 21 ) المزاهر : مفردها مرهر وهو آله بالعود - وهما بجعل كثرة الجنائز دليلا على رواج مهنة الأطباء فيلتذ بالصراخ على الميت والنواح عليه كأنه أصوات الموسيقى . ( 22 ) المهاري : مفردها مهر وهو الحصان الفتي . ( 23 ) ( تصفية ) في نسخة زلزل والأحمدية والجلبي .