ابن بطلان ( ابن عبدون )

20

دعوة الأطباء

كل خمس سنين يعرض وباء وموت . فمنذ يوم ملك ابن مروان هذه الديار كسدت الصناعة وبارت البضاعة وصحت الأجساد وانكشف الوباء عن هذه البلاد وانقطعت علّة الخوانيق ، وكانت قل ما فارقت الحلوق ، وبطلت الأمراض الخريفية « 16 » وكان موسما مألوفا معروفا فصرنا لا ترى مريضا الا في كل حين ولا نشاهد جنازة الا في كل زمان بعيد ، ولا نسمع صراخا الا في كل دهر مديد حتى كان اقبال الأمير قد عصم الأبدان من الأسقام وحصّن الأعضاء من الآلام ، أو كأنه من بين آل مروان قد اخذ للخلق من الدهر الأمان . فما في الناس الا ينشد فيه شعر الحسن بن هاني : علقت بحبل من حبال محمد * امنت به من طارق الحدثان تغطبت من دهري يظل جناحه * فعيني ترى دهري وليس يراني فلو فيل للأيام ما اسمي مادرت * وابن مكاني ما عرفن مكاني يا سيدي ما أسعده على نفسه والناس ، وما اثقل رحله علينا منذ يوم ولى ديارنا ، ما يفتكر أحد فينا ولا يحتاج الينا ولا يلتفت نحونا بعد ان كان الطبيب في هذه البلد أعز من جبهة الأسد . اليوم جمهور الحفارين والحمانين قد بعدوا عن هذه الديار وتشتنوا في الفرى والأمصار واشتغل أكثرهم بالزروعات وسوق العجل والفدان ونقل الجبصن من رؤوس الجبال إلى البلدان . وربما يلقاني البطال منهم فاسكن منه لوعته وأقول « 17 » ربما عاد ذلك الزمان : عسى الأيام ان يرجعن يوما * كما كانوا على أقصى المراد يا سيدي عن اي شئ أخبرك من تلك الأيام . واللّه لقد كانت تخرج الجنائز

--> ( 16 ) مدح للأمير ابن مروان لعنايته بصحة الناس وفضائه على الأمراض . وهو مدح بصيعة الدم والشكوى من كساد مهنة الطب وقلة المرضى والموتى وانصراف حفاري القبور وحمالي الجثث إلى الزراعة وغيرها . ( 17 ) في نسخة رلزل : ( يقول ) . وفي نسخة الحلتي : ( الحيران هو يقول ) .