ابن بطلان ( ابن عبدون )
19
دعوة الأطباء
فاضطرب لعزيمتي وقال : هيهات يا هذا ، لئن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ! خاب واللّه سعيك ، وكبا زندك ، وليتني كنت مثلك خالي العذار فاهرب من هذه الديار ، فما يتأتى لي بها مقام لأنني وردت إليها وبها قوم يحسن عليهم الثناء ويقبح عند تقريضهم الاستثناء ، إن اجتمعوا حسبتهم جوهرا منظوما ، وإذا تفرقوا خلتهم لؤلؤا منثورا . ثم قال : من تلق منهم تقل لافيت سيدهم * مثل النجوم التي يسري بها الساري قلت : فما فعل الدهر بهم ؟ قال : ماتوا واللّه هم وأولادهم وغلمانهم ولكن بعد ما اتعبوا خاطري واسهروا ناظري في علاجهم إلى أن قضى اللّه بموتهم ، فلله درّهم وسقى صوب الغمام قبورهم . فإنهم كانوا كفونى مؤونة الزمان مدة حياتهم وكنت في تضاعيف برهم لا اخلو من صبية تفطم أو غلام يختن أو مفصود أول فصاده أو مريض ادخله الحمام ، دع هدايا الأعياد والنواريز « 14 » وما يتحصل من زبون الدكان فإنه ما كان يموت لي مريض الا وقد مرض لي عوضه اثنان ، فانا في تضاعيف ذلك في فلك من العجب والتجمل كأنني قرواش بن المقلد أو ملك ميافارقين وآمد . وانيوم إذا انقطع الوتر فصدنا عرقين بدانق . ولولا عندي بقية من موسم سنة الخوانيق « 15 » ا ترمق بها والا كنت من الهالكين . واظرف من هذا بأسره انه كان في كل خريف تكثر الأمراض ، وفي
--> ( 14 ) يترحم على الأيام الماضية التي كانت الهدايا فيها تنهال على الأطباء عند فطام الصبيان أو ختانهم ، أو عند اجراء الفصد أو عندما يصاحب الطبيب المريض إلى الحمام لأول مرة بعد شفائه من مرضه ، أو من هدايا النوارير ( مفردها نوروز وهو يوم الربيع يحتفلون فيه بالسنة الجديدة ) فيقدمون الهدايا للأطباء والحكام والامراء . ( 15 ) سنة الخوانيق أو سنة جائحة مرض الخناق أو الدفتيريا وكان يموت فيها الأطفال والكبار بكثرة ويربح الأطباء فيها ربحا جزيلا من المرضى .