أبو علي سينا
87
القانون في الطب ( طبع بيروت )
في تلك النواحي قروح . ومع ذلك فقد تنصب إليها السوداء أيضاً والسبب في انصباب السوداء إليها ، كثرة السوداء ، وضعف المعدة . وأسباب كثرة السوداء ما تعرفه ، وسبب انصباب الدم إليها ، كثرة الدم وهيجانه في عضو أشرف منها مجاور لها في جانبها كالكبد ، أو فوقها كالدماغ ، إذا انصب منه دم إلى الحلق والمريء ، ونفذ إلى المعدة ، وضعف قوتها الدافعة يعين على قبول جميع ما ينصب إليها . ومن الأسباب القوية في انصباب الدم إليها وإلى غيرها ، احتباس سيال من طمث ، أو دم بواسير ، أو ذرب ، أو ترك رياضة مستفرغة ، أو قطع عضو ، فيضيع ما كانت الطبيعة تعبد له من المادة ، فيحتاج إلى نفض ، فربما انتفض من طريق المعدة ، وقيأ دماً . واعلم أن ضعف المعدة سبب قوي في انصباب ما ينصبّ إليها ، وأكثر ما يوجد في المعدة ، أو يتولّد فيها من الأخلاط هو البلغم . والسبب في ذلك أن الكيلوس قريب الطبع من البلغم ، فإنه إذا لم ينهضم انهضاماً تاماً ، لم يصر دماً ، أو صفراء ، أو سوداء . وأيضاً ، فإنَ المعدة لا تنصبّ إليها في غالب الأحوال صفراء تغسلها كما تغسل الأمعاء . وأما الصفراء ، فإنها تتولّد في بعض المعدة ، وفي الأكثر إنما تنصبّ إليها من الكبد ، على أنها تتولّد في المعدة الحارة ، إذا صادفت غذاء قابلًا للاستحالة بسرعة إلى الدخانية . وقد يعرض للمعدة ، إما في الخلقة ، وإما بمقاساة أمراض ، وأوجاع ، وسوء تدبير أن يصير جرمها متهلهل النسج ، سخيف القوام رقيق الجلد ، فيؤدي ذلك إلى ضعف في جميع أفعالها ، ويحتاج في معالجته إلى كلفة . وأسباب أمراض المعدة كل أسباب الأمراض المذكورة الخارجة والداخلة ، ويخصّها أن تكون الأغذية بحيث تقتضي سوء الهضم ، وإن لم تكن المعدة إلا على أصحّ الأحوال ، وهو مذكور في بابه ، أو تكون قليلة جداً حتى تؤدي بالمعدة الصحيحة إلى أن تخف وتضمر ، أو يكثر استعمال الأدوية فتعتاد المعدة الاستعانة بالدواء في فعلها ، أو تتعب كثيراً بالقيء والإسهال ، وخصوصاً القيء ، فإنه يحتاج إلى حركة عنيفة غير طبيعية ، فيعرض أن يتخلخل نسج ليفها ، ويتهلهل ، والمعدة الشديدة الحس مملوءة بالتأدي والتألم من كل أدنى سبب ، وكل مزاج يضعف بإفراط ، فإنه يحدث في كل فعل نقصاناً ، حتى إن الحرارة الساذجة ربما صارت سبباً لتزلق المعدة لما يحدث من ضعف الماسكة . وأما الحرارة مع مالحة صفراوية ، فهي كثيراً ما تكون سبباً لذلك ، والآفات التي يحدث في أفعالها ، إما أن تحدث في القوة المشهيّة والجاذبة بأن لا تشتهي البتّة ، أو تقلّ شهوتها ، أو تكثر جداً ، أو تفسد شهوتها . وذلك إما للغذاء ، وإما للماء ، وإما في القوة الماسكة بأن يشتدّ إمساكها ، أو يضعف ، أو يبطل إمساكها فيطفو الطعام . وإما في القوة الهاضمة ، بأن يبطل هضمها ، أو يضعف ، أو يفسد فتحيل الشيء إلى دخانية أو حموضة . وإما في القوة الدافعة ، بأن يشتد فعلها فيه ، إما إلى الطريقة الطبيعية ، وإما إلى فوق ، أو يضعف دفعها ، أو يبطل .