أبو علي سينا

88

القانون في الطب ( طبع بيروت )

وكل شيء طال مكثه في المعدة وأبطأ ، عرض منه التبخير المؤلم المحرّك للأخلاط ، ولا مبخّر كالفواكه . وقد تحدث بها الأوجاع الممدّدة واللذاعة وغير ذلك ، وقد يتبع ضعف هذه القوى كلها ، أو بعضها ، طفو الطعام ، وبطء انحداره ، أو سرعة انحداره ، وضعف هضمه ، أو بطلانه ، أو فساده ، وسقوط الشهوة بالكلية ، أو الشهوة الكلبية ، أو الشهوة الفاسدة ، ويتبعها القراقر ، والجشاء ، والنفخ ، واللذع ، وغير ذلك . وربما أدى ما يحدث من ذلك إلى مشاركة من أعضاء أخرى ، وخصوصاً الدماغ بالشركة بينهما بعصب كثير ، فيحدث صرع ، أو تشنّج ، أو مالنخوليا ، أو يقع في البصر ضرر . وربما تخيل للعين كأنَ بقاً ، أو بعوضاً ، ونسج عنكبوت ، ودخاناً ، وضباباً أمامها . وكثيراً ما يشارك القلب المعدة ، فيحدث الغشي ، إما لشدة الوجع ، وخصوصاً في أورامها العظيمة ، وأما الكيفية مفرطة من حر ، أو برد ، أو مستحيلة إلى سمية . فإن ضعفت المادة عن إحداث الغشي ، أحدثت كرباً ، وقلقاً ، وتثاؤباً وقشعريرة . ومثل هؤلاء هم الذين قال أبقراط أن سقي الشراب الممزوج مناصفة يشفيهم ، وذلك لما فيه من التنقية ، والغسل مع التقوية . والمعدة قد تستعد بشدة حسّها للأفعال عن سبب يسير ، فيؤدي ذلك إلى صرع وتشنّج ، وهذا الإنسان يؤذيه أدنى غضب ، وصوم ، وغمّ ، وسبب محرّك للأخلاط ، فإذا انصبّ فيها لذلك خلط مراري لاذع إلى فم معدته ، تأذى به لشدة حسّه ، فصرع وغشي عليه ، وتشنج بمشاركة من الدماغ لفمّ معدته . وهذا الإنسان يعرض له مثل ما يعرض لضعف فم المعدة من أنه إذا أتخم ، وأفرط من شرب الشراب ، أو الجماع تشنّج ، أو صرع ، وكثيراً ما يتخلص أمثاله بقيء كراثي ، أو زنجاري ، وربما كان الامتلاء الكثير يسبتهم سباتاً طويلًا إلى أن يتقيئوا ، فيستيقظوا . وربما كان ذلك سبباً للوقوع في المالنخوليا المراري ، وفي الأفكار ، والأحلام الفاسدة . واعلم أن أمراض المعدة إذا طالت أدت إلى هلهلة نسج ليفها ، وعسر التدارك والعلاج . ومن الآفات الرديئة في الخلقة ، أن تكون الرأس باردة مهيّئة لحدوث النوازل ، ثم تكون المعدة حارة ، فلا تحتمل ما ينقّي تلك النوازل من مثل الفلافلي ، والفوتنجي ، والكموني . فصل في وجوه الاستدلال على أحوال المعدة : الأمور التي يستدل بها على أحوال المعدة هي أحوال الطعام في احتمال المعدة له ، وعدم احتمالها ، ومن هضمها له ، ومن دفعها إياه ، ومن شهوتها للطعام ، ومن شهوتها للشراب ، ومن حركاتها واضطراباتها ، كالخفقان المعدي ، والفواق ، ومن حال الفمَ ، واللسان في طعمه وبلته وجفافه وخشونته وملاسته ورائحته ، وما يخرج من المعدة بالقيء ، أو البراز ، أو الريح النازلة له