أبو علي سينا

71

القانون في الطب ( طبع بيروت )

الفن الثاني عشر الثدي وأحواله فصل في تشريح الثدي : نقول الثدي عضو خلق لتكوين اللبن ليغتذي منه المولود في عنفوان مولده إلى أن يستحكم ، وتنمو قوته ، ويصلح لهضم الغذاء القويّ الكثيف ، وهو جسم مركب من عروق ، وشرايين ، وعصب يحشو خلل ما بينهما لحم غددي لا حس له أبيض اللون ، ولبياضه إذا تشبه الدم به أبيضّ ما يغذوه ، وابيض ما ينفصل عنه لبناً ، وقياسه إلى اللبن المتولّد من الدم قياس الكبد إلى الدم المتولّد من الكيموس في أن كُل واحد يحيل الرطوبة إلى مشابهته في الطبع ، واللون . فالكبد يحمِّر الكيموس الأبيض دماً والثدي يبيض الدم الأحمر لبناً ، والعروق والشرايين والعصب المبثوثة في جوهر الثدي تتشعب فيه إلى آخر الثقبة ، ويكون لها فيه التفافات واستدارات كثيرة ، وأما مشاركة الثدي الرحم في عروق تشنّج بينهما فأمر قد وقفت معه خصوصاً من التشريح تشريح العروق . فصل في تغزير اللبن : اعلم أن اللبن يكثر مع كثرة الدم الجيد ، وإذا قل فسببه بعض أسباب قلة الدم ، أو فقدان جودته . والسبب في قلة الدم ، إما من جهة المادة ، وإما من جهة المزاج . والذي يكون سبب المادة ، فأن يكون الغذاء قليلًا ، أو يكون مضاداً لتولد الدم عنه ليبسه وبرده المفرط ، أو يكون قد انصرف إلى جهة أخرى من نزف ، أو ورم ، أو غير ذلك . وأما من جهة المزاج ، فأن يكون البدن أو الثدي مجففاً للرطوبة ، أو يكون مليناً لها ، فلا يتولد عنها الدم لفرط مائيتها وبعدها عن الاعتدال الصالح للدموية ، أو غير ذلك . وأما السبب الذي يفقد به جودة الدمّ ، ويفسد ما يتولد منه ، فلا يكون صالحاً لأن يتولد منه دم اللبن إذا كان اللبن إنما يتولّد من الدم الجيد ، فهو غلبة أحد الأخلاط الثلاثة الصفراء ، أو البلغم ، أو السوداء . ونتبين الصفراء في صفرة لون اللبن ، ورقته ، وجذبه . والبلغم في شدة بياضه ، وميله إلى الحموضة في ريحه ، وطعمه . والسوداء في شدة ثخته ، وقلته ، وكثرة قوته ، ولا يبعد أن يكون الدم لشدّة كثرته يستعصي على فعل الطبيعة ، فلا ينفعل عنها ، ويعرض للطبيعة العجز عن إحالته لضغطه إياها ، وهذا مما لا تخفى علاماته .