أبو علي سينا

54

القانون في الطب ( طبع بيروت )

كالأسباب الفاعلة للأمزجة ، والأسباب الفاعلة للأورام ، والفاعلة لانحلال الفرد ، وسائر ما أشبه ذلك مما قد عددنا ذلك من الكتب الكلية ، لكن القلب يخصّه أسباب تعرض من قبل النفس ، وأسباب تعرض من قبل الانفعالات النفسانية . أما النفس ، فإذا ضاق أو سخن جداً ، أو برد جداً ، لزم منه أن تنال القلب آفة . وأما الانفعالات النفسانية ، فيجب أن يرجع فيه إلى كلامنا في الكلّيات ، وقد بينا تأثيرها في القلب بتوسط الروح ، وكل ما أفرط منها في تأثير خانق للحار الغريزي إلى باطن ، أو ناشر إياه إلى خارج ، فقد يبلغ أن يحدث غشياً ، بل يبلغ أن يهلك . والغضب من جملتها أقلّ الجميع ، فإن الغضب قلّما يهلك . وأما السهر والرياضة وأمثال ذلك ، فتضعف القلب بالتحليل . فصل في القوانين الكلية في علاج القلب : إن لنا في الأدوية القلبية مقالة مفردة إذا جمع الإنسان بين معرفته بالطبّ ، ومعرفته بالأصول التي هي أعمّ من الطب انتفع بها . وأما ههنا فإنا نشير إلى ما يجب أن يقال في الكتب الطبية الساذجة أنه لما كان القلب عضواً رئيساً أجل كل رئيس وأشرفه ، وجب أن يكون الإقدام على معالجته بالأدوية إقداماً معموداً بالحزم البالغ ، سواء أردنا أن نستفرغ منه خلطاً ، أو نبدل له مزاجاً . أما الاستفراغ الذي يجري مجرى الفصد ، فإنا نقدم عليه إقداماً لا يحوجنا إلى خلطه بتدابير أخرى منقية ، بل أكثر ما يلزمنا فيه أن لا نفرط ، فتسقط القوة ، وأن تنعش القوة إن خارت قليلًا بالأشياء الناعشة للقوة إذا ضعفت لمزاج بارد ، أو حار ، وهذا أمر ليس إنما يختص به إخراج الدم فقط ، بل جميع الاستفراغات ، وإن كان إخراج الدم أشدّ استيجاباً لهذا الاحتياط . والسبب الذي يستغنى معه عن محاولة أصناف من التدبير غير ذلك ، أن إخراج الدم ليس بدواء يرد على القلب ، وعلى أن الأكثر امتلاءات القلب إنما هو من الدم والبخار ، فيدفع ضررهما جميعاً الفصد . وأما الامتلاء الدموي ، فمن الباسليق الأيمن ، وأما الامتلاء البخاري ، فمن الباسليق الأيسر ، وأما سائر الاستفراغات التي تكون بالأدوية ، فيجب أن يخالط بالتدبير المذكور وتدابير أخرى ، وذلك لأن أكثر الأدوية المستفرغة مضادة للبدن ، فيجب أن يصحبها أدوية قلبية ، وهي الأدوية التي تفعل في القلب قوّة بخاصية فيها حتى يكون الدواء المستعمل في استفراغ الخلط القلبي مشوباً به أدوية ترياقية بادزهرية مناسبة للقلب . وقد ينفع كثير من هذه الأدوية ، بل أكثرها منفعة من جهة أخرى ، وذلك لأنها أيضاً تنفذ الأدوية المستفرغة إلى القلب صارفة إياها عن غيره . وأما تبديل المزاج فإنه إما أن يتوجه التدبير نحو تبديل بارد ، أو تبديل حار ، أو تبديل رطب ، أو تبديل يابس . فإذا أردنا أن نبدل مزاجاً بارداً ، اجترأنا على ذلك بالأدوية الحارة