أبو علي سينا

258

القانون في الطب ( طبع بيروت )

والآن فقد تجرد ما هو أعصى ، فإذا فاتته قوة فاعلة ، صادفته مهيأ مجرداً ، لا عن الفضل الذي من حقه أن يستحيل ثفلًا ، وكان موجوداً في الحالين جميعاً ، لكنه كان في المعدة مع غامر آخر ، وفي الأعور كان هو الغامر وحده ، وكان الذي يخالطه أولى بأن ينفعل ، خصوصاً ، ولم يخل في المعدة عن انفعال ما ، وانهضام ، واستعداد لتمام الانفعال والانهضام ، إذا خلا لتأثير الفاعل . فالمعي الأعور معي يتم فيه هضم ما عصي في المعدة ، وفضل عن المنهضم الطائع ، وقلما يغمره ، ويحول بينه وبين ما يمتص من الكيموس الرطب ، وصار بحيث القليل من القوة يصلحه ، إذا وجده مستقراً يلبث فيه قدر ما يتم انهضامه ، ثم ينفصل عنه إلى أمعاء تمتص منها . وقوم قالوا أن هذا المعي خلق أعور ، ليثبت فيه الكيموس ، فيستنظف الكبد ما بقي فيه من جوهر الغذاء بالتمام ، وحسبوا أن الماساريقا ، إنما تأتي الأعور ، وقد أخطأوا في هذا ، وإنما المنفعة ما بيناه ، وهذا المعي كفاه فم واحد ، إذ لم يكن وضعه وضع المعدة على طول البدن . ومن منافع عوره ، أنه مجمع الفضول التي لو سلكت كلها في سائر الأمعاء خيف حدوث القولنج ، وإذا اجتمعت فيه تنحّت عن المسلك ، وأمكن لاجتماعها أن تندفع عن الطبيعة جملة واحدة ، فإن المجتمع أيسر اندفاعاً من المتشبث . ومن منافعه أنه مأوى لما لا بدّ من تولده في المعي ، أعني الديدان ، والحيات ، فإنه قلما يخلو عنها بدن ، وفي تولّدها منافع أيضاً ، إذا كانت قليلة العدد صغيرة الحجم . وهذا المعي أولى الأمعاء بأن ينحدر في فتق الأربية ، لأنه مخلى غير مربوط ، ولا مشدود لما يأتيه من الماساريقا ، فإنه ليس يأتيه عن المامساريقا شيء فيما يقال ، ويتصل بالأعور من أسفله المعي المسمى بقولون ، وهو معي غليظ صفيق كما يبعد عن الأعور يميل ذات اليمين ميلًا جيداً ليقرب من الكبد ، ثم يأخذ ذات اليسار منحدراً ، فإذا حاذى الجانب الأيسر ، مال إلى اليمين ، وإلى خلف منحدراً أيضاً ، فهناك يتصل بالمستقيم ، وهو عند مجازه بالطحال يضيق ، ولذلك ما كان ورم الطحال يمنع خروج الريح ، ما لم يغمز عليه . والمنفعة في هذا المعي ، جمع الثفل ، وحصره ، وتدريجه من الاندفاع بعد استصفاء فضل من الغذاء إن كانت فيه ، وهذا المعي يعرض فيه القولنج في الأكثر ، ومنه اشتقّ اسمه . والمعى المستقيم وهو آخر الأمعاء يتصل بأسفل القولون ، ثم ينحدر منه على الاستقامة ، فيتصل بالشرج متكئاً على ظهر القطن متوشعاً يكاد يحكي المعدة ، وخصوصاً أسفله . ومنفعة هذا المعي قذف السفل إلى خارج ، وقد خلق الخالق تعالى له أربع عضلات كما علمته ، وإنما خلق هذا المعي مستقيماً ليكون اندفاع الثفل عنه أسفل ، والعضل المعينة له على الدفع ليست فيه ، بل على المراق ، وهي ثمان عضلات وهي ثمان عضلات فليكن هذا المقدار كافياً في تشريح الأمعاء ، وذكر منفعتها . وليس يتحرك شيء من هذه اّلأعضاء التي هي مجرى الغذاء بعضل ، إلا الطرفان ، أعني الرأس ، وهو المريء ، والحلقوم ، والأسفل ، وهو المقعدة ، وقد تأتي الأمعاء