أبو علي سينا

257

القانون في الطب ( طبع بيروت )

وقد سمّي هذا المعي صائماً ، لأنه يوجد في الأكثر فارغاً خالياً . والسبب في ذلك تعاضد أمرين : أحدهما أن الذي ينجذب إليه من الكيلوس ، يسرع إليه الانفصال عنه ، فطائفة تنجذب نحو الكبد لأن العروق الماساريقية ، أكثرها متصل بهذا المعي ، لأن هذا المعي أقرب الأمعاء من الكبد ، وليس في شيء من الأمعاء من شعب الماساريقا ما فيه ، وبعده الإثنا عشري ، وهذا المعي يضيق ، ويضمر ، ويصغر في المرض جداً ، وطائفة أخرى تنفصل عنه إلى ما تحته من الأمعاء ، لأن المرة الصفراء تتحلب من المرارة إلى هذا المعي ، وهي خالصة غير مشوبة ، فتكون قوية الغسل ، شديد تهييج القوة باللذع ، فيما تغسل تعين على الدفع إلى أسفل ، وبما تهيج المافعة تعين على الدفع إلى الجهتين جميعاً ، أعني إلى للكبد ، وإلى أسفل فبعرض بسسبب هذه الأحوال أن يبقى هذا الجزء من الأمعاء خالياً ويسمى لذلك صائماً . ويتصل بالصائم جزء من المعي طويل ، متلفف مستدير استدارة بعد أخرى . والمنفعة في كثرة تلافيفه ، ووقوع الاستدارات فيه ما قد شرحناه في القصول المتقدمة ، وهو أن يكون للغذاء فيه مكث ، ومع المكث اتصال بفوهات العروق الماصة بعد اتصال ، وهذا المعي آخر الأمعاء العليا التي تسمى دقاقاً ، والهضم فيها أكثر منه في الأمعاء السفلى التي تسمى غلاظاً ، فإن الأمعاء السفلى جل فعلها في تهيئة الثفل للإبراز ، وإن كانت أيضاً لا تخلو عن هضم ، كما لا تخلو عن عروق كبدية تأتيها . بمص ، وجذب . ويتصل بأسفل الدقاق معي يسمى الأعور ، وسميَ بذلك لأنه ليس له إلا فم واحد ، منه يقبل ما يأتيه من فوق ، وما منه أيضاً يخرج ، ويدفع ما يدفعه ، ووضعه إلى الخلف قليلًا ، وميله إلى اليمين . وقد خلق لمنافع منها ، أن يكون للثفل مكان يحصر فيه ، فلا يحوج إلى القيام كل ساعة ، وفي كل وقت يصل إلى الأمعاء السفلي قليل منه ، بل يكون مخزناً يجتمع فيه بكليته ، ثم يندفع عنه بسهولة إذا تم ثفلًا ، ومنها أن هذا المعي هو مبدأ فيه ، ثم استحالة الغذاء إلى الثفلية ، والتهيئة لامتصاص مستأنف ، يطرأ عليه من الماساريقا ، وإن كان ليس فيه ذلك الامتصاص ، وهو متحرك ، ومنتقل ، ومتفرق ، بل إنما يتم إذا سلم من الكبد ، وقرب منها ليأتيه منها بالمجاورة هضم بعد هضم المعدة الذي كان بالسكون والمجاورة بعد ، وهو مجتمع محصور في شيء واحد يبقى فيه زماناً طويلًا ، وهو ساكن مجتمع ، فتكون نسبته إلى الأمعاء الغلاظ ، نسبة المعدة إلى الدقاق . ولذلك احتيج إلى أن يقرب عن الكبد ، ليستوفي من الكبد تمام الهضم ، وإحالة الباقي مما لم ينهضم ، ولم يصلح لمص الكبد إلى أجود ما يمكن أن يستحيل إليه ، إذ كان قد عصى في المعدة ، ولم يصل إليه تمام الهضم لسبب كثرة المادة ، وسبوق الانفعال ، وسبوق الانفعال إلى ما هو أطوع لغمور ما هو أطوع لما هو أعصى .