أبو علي سينا

256

القانون في الطب ( طبع بيروت )

والسفلى مبتدأه من الأعور غليظة ثخينة مشحمة الباطن لتكون مقاومة للثفل الذي إنما يصلب ويكثف أكثره هناك وكذلك إنما يتعفن إذا أخذ يتعفن فيه . والعليا لا شحم عليها ، ولكن لم تخل في الخلقة من تغرية سطحها الداخل لزجة مخاطية ، تقوم لها مقام الشحم ، والمعى الاثني عشري متصل قعر المعدة وله فم يلي المعدة يسمى البواب . وهذا بالجملة مقابل للمريء ، فكما أن المريء إنما هو للجذب إلى المعدة من فوق ، فكذلك هذا إنما هو للدفع عن المعدة من تحت ، فهو أضيق من المريء ، واستغنى في الخلقة عن توسيعه توسيع المريء لأمرين . أحدهما ، أن الشيء الذي ينفذ في المريء أخشن ، وأصلب ، وأعظم حجماً والذي ينفذ في هذا المعي ألين ، وأسلس ، وأرقّ حجماً ، لانهضامه في المعدة ، واختلاط الرطوله المائية به . والثاني : أن النافذ في المري لا يتعاطاه من القوى الطبيعية إلا قوة واحدة ، وإن كانت الإرادية تعينها ، فإنها تعينها من جهة واحدة ، وهي الجاذبة ، فأعينت بتفسيح المسيل وتوسيعه . وأما النافذ في المعي الأول ، فإنه ينفعل عن قوتين : إحداهما الدافعة التي هي في المعدة ، والأخرى الجاذبة التي في المعي ، ويرافدها العقل الذي يحصل بجملة الطعام ، فيسهل بذلك اندفاعه في المسيل المعتدل السعة ، وهذه القصبة تخالف المري في أن المريء كجزء من المعدة ، مشاكل لها في هيئة تأليفها من الطبقات . وأما هذه القصبة ، فكشيء غريب ملصق بها ، مخالف في جوهر طبقاته لطبقتي المعدة ، إذ كانت المعدة تحتاج إلى جذب قوي لا يحتاج إلى مثله المعي ، فلذلك الغالب على طبقتي المعي الليف الذاهب في العرض ، ولكن المعي المستقيم قد ظهر فيه ليف كثير بالطول ، لأنه منق للأمعاء عظيم النفع ، يحتاج إلى جذب لما فوقه ، ليستعين به على جودة العصر والدفع ، والإخراج ، فإن القليل عاص على المخ والعصر ، ولذلك خلق واسعاً عظيم التجويف ، وخلق للمعي طبقتان للاحتياط في أن لا يفشو الفساد والعفن المهيأ لهما عند أدنى آفة تلحقه سريعاً ، ولاختلاف الفعلين في الطبقتين ، وخلقت هذه القصبة مستقيمة الخلقة ممتدة من المعدة إلى أسفل ، ليكون أول الاندفاع متيسراً ، فإن نفوذ الثقيل في الممتد المستقيم إلى أسفل ، أسرع منه في المعوج ، أو المضطجع ، وكانت هذه الخلقة فيها أيضاً نافعة في معنى آخر ، وهو أنها إذا نفذت مستقيمة خلت يمنتها ، ويسرتها مكاناً لسائر الأعضاء المكتنفة للمعدة من الجانبين ، كشطر من الكبد يمنة ، وكالطحال يسرة ، وسائر الأمعاء ، ولقبت بالاثني عشري لأن طولها هذا القدر من أصابع صاحبها ، وسعتها سعة ، فما المسمى بواباً . والجزء من الأمعاء الرقيقة التي تلي الاثني عشري يسمى صائماً : وهذا الجزء فيه ابتداء التلفف ، والانطواء ، والتلوي ، وكان فيه مخازن كثيرة .