أبو علي سينا

255

القانون في الطب ( طبع بيروت )

الفن السادس عشر في أحوال الأمعاء والمقعدة وهو خمس مقالات المقالة الأولى تشريحها الاستطلاق المطلق فصل في تشريح الأمعاء الستة : إن الخالق تعالى جل جلاله ، وتقدست أسماؤه ، ولا إله غيره ، لسابق عنايته بالإنسان ، وسابق علمه بمصالحه ، خلق أمعاءه التي هي آلات لدفع الفضل اليابس ، كثيرة العدد ، والتلافيف ، والاستدارات ، ليكون للطعام المتحدر من المعدة مكث صالح في تلك التلافيف والاستدارات ، ولو خلقت الأمعاء معي واحدة ، أو قصيرة المقادير ، لانفصل الغذاء سريعاً عن الجوف ، واحتاج الإنسان كل وقت إلى تناول الغذاء على الاتصال ، ومع ذلك إلى التبزز ، والقيام إلى الحاجة ، وكان من أحدهما في شغل شاغل عن تصرّفه في واجبات معيشته ومن الثاني في أذى واصب ، وترصد ، وكان ممنواً بالشره ، والمشابهة للبهائم ، فكثر الخالق تعالى عدد هذه الأمعاء ، وطول مقادير كثير منها ، لهذا من المنفعة ، وكثر استداراتها لذلك . والمنفعة الأخرى هي أن العروق المتصلة بين الكبد ، وبين آلات هضم الغذاء ، إنما تجذب اللطيف من الغذاء بفوهاتها النافذة في صفاقات المعدة ، بل في صفاقات الأمعاء ، وإنما تجذب من اللطيف ما يماسها . وأما ما يغيب عنها ، ويتوغل في عمق الغذاء البعيد عن ملامسته فوهات العروق ، فإن جذب ما فيها ، إما غير ممكن ، وإما عسر ، فتلطف الخالق تعالى بتكثير التلافيف ليكون ما يحصل متعمقاً في جزء من المعي يعود ملامساً في جزء آخر ، فتتمكن طائفة أخرى من العروق من امتصاص صفاقاته التي فاتت الطائفة الأولى . وعدد الأمعاء ستة ، أولها المعروف بالاثني عشري ، ثم المعروف ثم معي طويل ملتف يعرف بالدقاق واللفائف ثم معي يعرف بالأعور ثم معي يعرف بالقولون ثم معي يعرف بالستقيم وهو السرم . وهذه الأمعاء كلها مربوطة بالصلب برباطات تشدها على واجب أوضاعها . وخلقت العليا منها رقيقة الجوهر ، لأن حاجة ما فيها إلى الإنضاج ونفوذ قوة الكبد إليها أكثر من الحاجة في الأمعاء السفلى ولأن ما يتضمنه لطيف لا يخشى فسخه لجوهر المعي بنفوذه فيه ومروره به ولا خدشه له .