أبو علي سينا

114

القانون في الطب ( طبع بيروت )

أن يكون لقلة الدم وضعف البدن ، فتأمل ذلك . وقد يكون سببه بلغماً لزجاً كثيراً يحصل في فم المعدة ، فينفر الطبع عن الطعام إلا ما فيه حرافة وحدة ، ثم يعرض من تناول ذلك أيضاً نفخ ، وتمدد ، وغثيان ، ولا يستريح إلا بالجشاء . وقد يكون سببه دوام النوازل النازلة من الرأس إلى المعدة ، وقد يكون سببه امتلاء من البدن ، وقلة من التحلّل ، أو اشتعالًا من الطبيعة بإصلاح خلط رديء ، كما يكون في الحميات التي يصبر فيها على ترك الطعام مدة مديدة ، لأن الطبيعة لا تمتص من العروق ، ولا العروق من المعدة إقبالًا من الطبيعة على الدفع ، وإعراضاً عن الجذب . وكما يستغني الدب ، والقنفذ ، وكثير من الحيوانات عن الغذاء مدة في الشتاء مدبدة ، لأن في أبدانها من الخلط الفَج ما تشتغل الطبيعة بإصلاحه وإنضاجه واستعماله بدل ما يتحلل . وبالجملة ، فإن الحاجة إلى الغذاء هو أن يسد به بدل ما يتحلل ، وإذا لم يكن تحلل ، أو كان للمتحلّل بدل لم تفتقر إلى غذاء من خارج . وقد يكون السبب فيه أن العروق في اللحم ، والعضل ، وسائر الأعضاء قد عرض لها من الضعف أن لا تمتص ، فلا يتصل الامتصاص على سبيل التواتر إلى فم المعدة ، فلا تتقاضى المعدة بالغذاء كما إذا وقع لها الاستغناء عن بدل التحلل ، فإنه إذا لم يكن هناك تحلّل لم يكن هناك حاجة إلى بدل ما يتحلل ، فلم ينته مص العروق إلى فم المعدة . وقد يكون سببه انقطاع السوداء المنصبة على الدوام من الطحال إلى فم المعدة ، فلا تدغدغها مشهية ، ولا تدفعها منقية . وإذا بقي على سطح المعدة شيء غريب - وإن قل - كانت كالمستغنية عن المادة المتحركة إلى الدفع ، لا كالمشتاقة إليها المتحركة إلى الجذب . وقد يكون سببه بطلان القوة الحساسة في فم المعدة ، فلا تحس بامتصاص العروق منها . وإن امتصت ، فربما كان ذلك بسبب خاص في المعدة ، وربما كان بمشاركة الدماغ وربما كان بمشاركة العصب السادس وحده . وقد يكون سببه ضعف الكبد ، فتضعف الشهوانية ، بل قد يكون سببه موت القوة الشهوانية والجاذبة من البدن كله ، وكما يعرض عقيب اختلاف الدم الكثير . وهذا رديء عسر العلاج ، ويؤدي ذلك إلى أن تعرض عليه الأغذية ، فيشتهي منها شيئاً ، فيقدّم إليه ، فينفر عنه . وشر من ذلك أن لا يشتهي شيئاً . وليس إنما تضعف القوة الشهوانية عقيب الاستفراغ فقط ، بل عند كل سوء مزاج مفرط ، وقد يكون سببه الديدان إذا آذت الأمعاء وشاركتها المعدة ، وربما آذت المعدة متصعدة إليها . وقد يكون سببه سوداء كثيرة مؤذية للمعدة محوجة إليها إلى القذف ، والدفع دون الأكل والجذب . وقد يعرض بطلان الشهوة بسبب الحمل ، واحتباس الطمث في أوائل الحمل ، لكن أكثر ما يعرض لهم فساد الهضم . وقد يكون سببه إفراطاً من الهواء في حر ، أو برد حتى يحلل القوة بحره ، أو يخدرها ببرده ، أو يمنع التحلل ، واشتداد حرارة المعدة كذلك ، وكذلك من كان معتاداً للشراب فهجره . قد تتغير حال الشهوة ، وتضعف بسبب سوء حال النوم ، وقد يعرض سقوط