أبو علي سينا

300

القانون في الطب ( طبع بيروت )

قبل الطعام برفق ، ويحرم عليه الحركة بعد الطعام ، فإن احتمل استفراغاً بالأدوية المستفرغة للبلغم رقيقاً فعل ذلك . وينفعهم أن يقيئوا أحياناً بماء العسل وأن يسقوا الجلنجبين السكري والعسلي ، ويشمموا السذاب وسائر الملطّفات فإن التشميم بالشمومات التي نذكرها ، ربما كفى الخطاب فيهم ، ثم يعم المصروعين كلهم ، أن يستعملوا الأغذية المحمودة التي لها ترطيب محمود غير مفرط ، وليحترزوا من الامتلاء ، وليحذروا سوء الهضم ، وذلك بأن يكفوا ولا يبلغوا تمام الشبع ، ومن لم تجر عادته بالوجبة ، قسّم غذاءه الذي هو دون شبعه ثلاثة أقسام ، فيتناول ثلاثة غداء ، وثلثيه عشاء بعد رياضة لطيفة ، ولا يستكثروا من الخمر ، فإنها شديدة الملء للدماغ ، ثم إن لم يكن بدّ من أن يستعملوا من الشراب شيئاً ، فقليل عتيق مروّق ، إلى العفوصة . وأضرّ الأشياء بهم الشرب عقيب الاستحمام ، وأيضاً البرد المغافص ، بل يجب أن يوقوا الرأس ملاقاة كل حرّ مفرط ، أو برد مفرط ، ولا يبطئوا في الحمّام ، وعلى المصروع أن يجتنب اللحوم الغليظة كلها ، والقوية الغذاء ، والسمك كله ، بل لحوم جميع ذوات الأربع الكبار ، ويقتصر على الفراريج ، والدراريج ، والطياهيج ، والعصافير الأهلية والجبلية ، والقنابر ، والشفانين ، والجداء والغزلان ، والأرانب . وقد قيل أن لحم الخنزير البري شديد النفع له ، وقد يمدح لهم لحوم الماعز لما فيها من التجفيف وقلة الترطيب ، كما تكره لهم الحلاوات والدسومات ونحوها ، ويجتنب البقول كلها ، وخصوصاً الكرفس ، فإن له خاصية في تحريك الصرع ، فإن كان ولا بدّ ، فليستعمل الشاهترج والهندبا ، وقد رخص لهم في الخس وأنا لا أحمده لهم كثير حمد ، وكذلك رخص لهم في الكزبرة لمنعها البخار من الرأس ، وأنا أكرهها ، واستكثارها لهم إلا في الدموي والصفراوي . وأما السلق المسلوق في الماء ، ثم المصلح بالزيت والمري وما يجري مجراه ، فإن قدم تناوله على الغذاء لتليين الطبيعة جاز ، والسذاب من جملة البقول نافع برائحته شممّاً ، وإذا وقع الشبث والسذاب في طعامهم كان نافعاً . ويجب أن يجتنبوا الفواكه الرطبة كلها وجميع الفواكه الغليظة ، إلا بعض القوابض على الطعام بقدر خفيف يسير جداً ليشدّ فم المعدة ، ويحدر الغذاء ، ويلين الطبيعة ، ويمنع البخار . ويجب أن يجتنب جميع الأغذية الثقيلة الجارية مجرى اللفت ، والفجل ، والكرنب ، والجزر . ويجب أيضاً أن يجتنبوا كل حريف مبخر . والخردل من جملة ما يؤذيهم بتبخيره ، وإرساله الفضول إليه ، وتوجيهه إياها نحوه ، وبقرعه الدماغ لحرافته ، ويجتنبوا السكر ، ومهاب الرياح ، والامتلاء ، ويجتنبوا الاغتسال بالماء أصلًا . أما الحار فلما فيه من الإرخاء ، وأما البارد فبما يخدّر ، فيضرّ بالروح الحاس ، فإن عرض للمصروع امتلاء من طعام قذفه ، ولطف التدبير بعده . ويجب أن يجتنب الأغذية الميبّسة المنقلة والمخدرة والمبخّرة . وأما الشراب ، فإن الامتلاء