أبو علي سينا

286

القانون في الطب ( طبع بيروت )

فصل في العشق هذا مرض وسواسي شبيه بالمالنخوليا ، يكون الإنسان قد جلبه إلى نفسه بتسليط فكرته على استحسان بعض الصور والشمائل التي له ، ثم أعانته على ذلك شهوته أو لم تعن ، وعلامته غؤر العين ويبسها ، وعدم الدمع إلا عند البكاء ، وحركة متّصلة للجفن ضحاكة ، كأنه ينظر إلى شيء لذيذ ، أو يسمع خبراً ساراً ، أو يمزح ، ويكون نفَسه كثير الانقطاع والاسترداد ، فيكون كثير الصعداء ويتغيّر حاله إلى فرح وضحك ، أو إلى غم وبكاء عند سماع الغزل ، ولا سيما عند ذكر الهجر والنوى ، وتكون جميع أعضائه ذابلة خلا العين ، فإنها تكون مع غور مقلتها كبيرة الجفن سُمّيته لسهره وتزفره المنجز إلى رأسه ، ولا يكون لشمائله نظام ، ويكون نبضه نبضاً مختلفاً بلا نظام البتة ، كنبض أصحاب الهموم . ويتغير نبضه وحاله عند ذكر المعشوق خاصةً ، وعند لقائه بغتة ، ويمكن من ذلك أن يستدلّ على المعشوق أنه من هو إذا لم يتعرّف به ، فإن معرفة معشوقه أحد سبل علاجه . والحيلة في ذلك أن يذكر أسماء كثيرة تعاد مراراً ، ويكون اليد على نبضه ، فإذا اختلف بذلك اختلافاً عظيماً ، وصار شبه المنقطع ، ثم عاود وجرّبت ذلك مراراً ، علمت أنه اسم المعشوق ، ثم يذكر كذلك السكك والمساكن والحرف والصناعات والنسب والبلدان ، وتضيف كلًا منها إلى اسم المعشوق ويحفظ النبض حتى إذا كان يتغير عند ذكر شيء واحد مراراً ، جمعت من ذلك خواص معشوقه من الاسم والحلية والحرفة وعرفته ، فإنا قد جربنا هذا واستخرجنا به ما كان في الوقوف عليه منفعة ، ثم إن لم تجد علاجاً إلا تدبير الجمع بينهما على وجه يحلّه الدين والشريعة فعلت ، وقد رأينا من عاودته السلامة والقوة ، وعاد إلى لحمه ، وكان قد بلغ الذبول وجاوزه ، وقاسى الأمراض الصعبة المزمنة ، والحميات الطويلة بسبب ضعف القوة لشدّة العشق لما أحس بوصل من معشوقه بعد مطل معاودة في أقصر مدة قضينا به العجب ، واستدللنا على طاعة الطبيعة للأوهام النفسانية . المعالجات : تتأمل هل أدّت حاله إلى احتراق خلط بالعلامات التي تعرفها ، فتستفرغ ، ثم تشتغل بترطيبهم وتنويمهم وتغذيبتهم بالمحمودات ، وتحميهم على شرط الترطيب المعلوم وإيقاعهم في خصومات وإشغال ومنازعات ، وبالجملة أمور شاغلة ، فإن ذلك ربما أنساهم ما أدنفهم ، أو يحتال في تعشيقهم غير المعشوق ممّن تحله الشريعة ، ثم ينقطع فكرهم عن الثاني قبل أن تستحكم ، وبعد أن يتناسوا الأول ، وإن كان العاشق من العقلاء ، فإن النصيحة والعظة له والاستهزاء به وتعنيفه والتصوير لديه أن ما به إنما هو وسوسة وضرب من الجنون مما ينفع نفعاً ، فإن الكلام ناجع في مثل هذا الباب ، وأيضاً تسليط العجائز عليه ليبغضن المعشوق إليه ، ويذكرن