أبو علي سينا

287

القانون في الطب ( طبع بيروت )

منه أحوالًا قذرة ويحكين له منه أموراً منفراً منها ، ويحكين له منه الجفا الكثير ، فإن هذا مما يسكّن كثيراً ، وإن كان قد يغري آخرين . ومما ينفع في ذلك أن تحاكي هؤلاء العجائز صورة المعشوق بتشبيهات قبيحة ، ويمثلن أعضاء وجهه بمحاكيات مبغضة ، ويُدِمنَ ذلك ويُسهبن فيه ، فإنّ هذا عملهن ، وهنّ أحذق فيه من الرجال إلا المخنثين ، فإن المخنثين لهم أيضاً فيه صنعة لا تقصر عن صنعة العجائز . وكذلك يمكنهن أن يجتهدن في أن ينقلن هوى العاشق إلى غير ذلك المعشوق بتدريج ، ثم يقطعن صنيعهن قبل تمكن الهوى الثاني . ومن الشواغل المذكورة اشتراء الجواري ، والإكثار من مجامعتهن ، والاستجداد منهن ، والطرب معهن . ومن الناس من يسلّيه ، إمّا الطرب والسماع ، ومنهم من يزيد ذلك في غرامه ، ويمكن أن يتعرف ذلك . وأما الصعيد وأنواع اللعب والكرامات المتجدّدة من السلاطين ، وكذلك تنوعّ الغموم العظيمة ، وكلها مسلّ ، وربما احتيج أن يدبّر هؤلاء تدبير أصحاب المالنخوليا وَألمانيا والقطرب ، وأن يستفرغوا بالأيارجات الكبار ، ويرطّبوا بما ذكر من المرطبات ، وذلك إذا انتقلوا بشمائلهم وسحنة أبدانهم إلى مضاهاة أولئك ، وعليك أن تشتغل بترطيب أبدانهم . المقالة الخامسة في أمراض دماغية آفاتها في أفعال الحركة الإرادية قوية فصل في الدُّوَار الدوار هو أن يتخيل لصاحبه أن الأشياء تدور عليه ، وأن دماغه وبدنه يدور ، فلا يملك أن يثبت ، بل يسقط ، وكثيراً ما يكره الأصوات ، ويعرض له من تلقاء نفسه مثل ما يعرض لمن دار على نفسه كثيراً بالسرعة ، فلم يملك أن يثبت قائماً أو قاعداً ، وأن يفتح بصره ، وذلك لما يعرض للروح الذي في بطون دماغه ، وفي أوردته وشرايينه من تلقاء نفسه ، ما يعرض له عندما يدور دوراناً متصلًا . والفرق بين الصرع والحوار ، أن الدوار قد يثبت مدة ، والصرع يكون بغتة ويسقط صاحبه ساكناً ويفيق ، وأما السَدَر ، فهو أن يكون الإنسان إذا قام أظلمت عينه وتهيأ للسقوط . والشديد منه يشبه الصرع ، إلا أنه لا يكون مع تشنّج كما يكون الصرع . وهذا الدوار قد يقع بالإنسان بسبب أنه دار على نفسه فدارت البخارات والأرواح فيه ، كما يدور الفنجان المشتمل على ماء مدة ، ويسكن فيبقى ما فيه دائراً مدة ، وإذا دار الروح تخيل للإنسان أنّ الأشياء تدور لأنه سواء ، اختلف نسبة أجزاء الروح إلى أجزاء العالم المحيط به من جهة الروح ، أو اختلف ذلك من جهة العالم إذا كان الإحساس بها وهي دائرة يكون بحسب المقابلة ، فإذا تحرّك الحاس استبدل المقابلات ، كما إذا تحرك المحسوس .