أبو علي سينا
279
القانون في الطب ( طبع بيروت )
ميبّسة لا من القلب وحده على أنه لا يمكن أن يكون بلا شركة من القلب ، بك عسى أن يكون معظم السبب فيه من القلب ، ولذلك لا بد من أن يكون علاج القلب مع علاج الدماغ في هذا المرض . واعلم أن دم القلب إذا كان صقيلًا رقيقاً صافياً مفرحاً قاوم فساد الدماغ وأصلحه . ولا عجب أن يكون مبدأ ذلك في أكثر الأمر من القلب ، وإن كان إنما تستحكم هذه العلل في الدماغ ، لأنه ليس ببعيد أن يكون مزاج القلب قد فسد أولًا ، فيتبعه الدماغ أو يكون الدماغ قد فسد مزاجه ، فيتبعه القلب ، ففسد مزاج الروح في القلب واستوحش ، ففسد ما ينفذ منه إلى الدماغ ، وأعان الدماغ على إفساده ، وقد يعرض في آخر الأمراض المادية خصوصاً الحادة مالنخوليا فيكون علامة موت . وحينئذٍ يعرض لذلك الإنسان أن يذكر الموت والموتى كثيراً ، وبالجملة ، فإن السوداء تكثر فتتولد تارةً بسبب العضو الفاعل للغذاء ، وهو الكبد إذا أحرق الدم أو ضعف عن دفع الفضل السوداوي ، وهو الأقل ، وتارة بسبب العضو الذي هو مفرغة للسوداء ، وهو الطحال ، إذا ضعف عن أمرين : أحدهما : جذب ثقل الدم ورماده عن الكبد ، والآخر : دفع فضل ما ينجذب إليه منه إلى المدفع الذي له ، وقد يتولد السوداء في عضو آخر ، إما بسبب شدة إحراقه لغذائه ، أو بسبب عجزه عن دفع فضل غذائه ، فيتحلل لطيفه ، ويتعكر كثيفة سوداء ، أو بسبب شديد تبريده وتجفيفه لما يصل إليه ، وقد يكون السبب في تولده أيضاً الأغذية المولدة للسوداء . وقد رأى بعض الأطباء أن المالنخوليا قد يقع عن الجن ، ونحن لا نبالي من حيث نتعلم الطب أن ذلك يقع عن الجن أو لا يقع بعد أن نقول : إنه إن كان يقع من الجن ، فيقع بأن يحيل المزاج إلى السوداء ، فيكون سببه القريب السوداء ، ثم ليكن سبب تلك السوداء جنّاً أو غير جن ، ومن الأسباب القوية في توليد المالنخوليا فراط الغم أو الخوف . ويجب أن تعلم أن السوداء الفاعل للمالنخوليا قد تكون ، إما السوداء الطبيعية ، وإما البلغم إذا استحال سوداء بتكاثف ، أو أدنى احتراق ، وإن كان هذا يقل ويندر . وأما الدم إذا استحال بانطباخ ، أو بتكاثف دون احتراق شديد . وأما الخلط الصفراوي ، فإنه إذا بلغ فيه الاحتراق الغاية فعل مانيا ، ولم يقتصر على المالنخوليا . فكل واحد من أصناف السوداء إذا وقع من الدماغ الموقع المذكور ، فعل المالنخوليا ، لكن بعضه يفعل معه ألمانيا . وأسلم المالنخوليا ما كان عن عكر الدم ، ، وما كان معه فرح ، وكثيراً ما ينحل المالنخوليا بالبواسير والدوالي ، وقد يقل تولد هذه العلة في البيض السمان ، ويكثر في الأدم الزب القضاف ، ويكثر تولدها فيمن كان قلبه حاراً جداً ، ودماغه رطباً فتكون حرارة قلبه مولّدة للسوداء فيه ، ورطوبة دماغه قابلة لتأثير ما يتولد في قلبه ، ومن المستعدين له اللثغ الأحذاء الخفاف الألسنة ، والطرف الأشد حمرة الوجه والأدم الزب ، وخصوصاً في صدورهم السود