أبو علي سينا
213
القانون في الطب ( طبع بيروت )
وأما الدلائل المأخوذة من الحرارة والبرودة أعني ما يلمسه الرأس منهما في نفسه وما يلمسه غيره من خارج ، فلا يخفى عليك : أما الحار فدليل على حرارة إن دام فمزاجيّة وإن حدث وآذى فعرضية . وكذلك حكم البارد على قياسه ، وكذلك حكم القشف اليابس وعلى قياسه إن لم يكن برد من خارج مخشّن مقشف ، وكذلك الرطب إنْ لم يكن حرّ من داخل معرق والأوجاع الأكالة التي تخيل أن في رأس الإنسان دبيباً يأكل ، واللذّاعة فإنها تدلّ على مادة حارة ، والضربانية على ورم حار . ويؤكد دلالتها لزوم الحمّى ، والثقيلة الضاغطة على مادة ثقيلة باردة ، والممددة على مادة ريحيّة . والانتقال يؤكد ذلك . والوجع الذي كأنه يطرق بمطرقة ، يدل على مثل البيضة والشقيقة المزمنة ، والوجع أيضاً يدل بجهته مثل أن الوجع الذي بمشاركة المعدة ، يكون على وجه والذي بمشاركة الكبد ، على هيئة أخرى كما سنذكره وقد يدل مع ذلك بدوامه ، فإنّ الوجع إذا دام في مقدم الرأس ومؤخّره ، أنذر بالعلّة المعروفة بقرانيطس . فصل في الاستدلالات المأخوذة من أحوال أعضاء هي كالفروع للدماغ مثل العين واللسان والوجه ومجاري اللهاة واللوزتين والرقبة والأعصاب أما الاستدلال من العين ، من جملتها فمن حال عروقها ، ومن حال ثقلها وخفتها ، من حال لونها في صفرته أو كمودته أو رصاصيته أو حمرته ، وحال ملمسها وجميع ذلك يقارب جداً في الدلالة لما يكون في الدماغ نفسه . وقد يستدل بما يسيل منها من الدمع والرمص ، وما يعرض لها من التغميض والتحديق وأحوال الطرف ، ومن الغور والجحوظ والعظم والصغر والآلام والأوجاع ، فإن جفاف العين قد يدلّ على يبس الدماغ وسيلان الرمص والدموع إذا لم يكن لعلة في العين نفسها يدلّ على رطوبة مقدم الدماغ ، وعظم عروق العين يدل على سخونة الدماغ في الجوهر وسيلان الدمع لغير سبب ظاهر يحلّ في الأمراض الحارة على اشتعال الدماغ وأورامها ، وخصوصاً إذا سالت من إحدى العينين ، وإذا أخذ يغشي الحدقة رمص كنسج العنكبوت ، ثم يجتمع فهو قريب وقت الموت . والعين التي تبقى مفتوحة لا تطرف كما قد يكون في قرانيطس وأحياناً في ليثرغس ، ويكون أيضاً في فرانيطس عند انحلال القوّة يدل على آفة عظيمة في الدماغ ، والكثيرة الطرف تدل على اشتعال وحرارة وجنون . واللازمة ينظرها موضعاً واحداً وهي المبرسمة ، تدل على وسواس ومالنخوليا ، وقد يستدل من حركاتها على أوهام الدماغ ، من اعتقادات الغضب والغم والخوف والعشق والجحوظ ، يدل على الأورام أو امتلاء أوعية الدماغ والصغر والغور ، يدل على التحلل الكثير مِن جوهر الدماغ ، كما يعرض في السهر والقطرب والعشق . وإن اختلفت هيئاتها في ذلك كما سنفصله في موضعه ، وكذلك قد يدل على حمرة الدماغ وقوبا فيه . وأما المأخوذة من حال اللسان ، فمثل أن اللسان كثيراً ما يدل بلونه على حال الدماغ ، كما يدلّ ببياضة على ليثرغس وبصفرته أولًا ، واسوداده ثانياً ، على فرانيطس ، وكما يدلّ بغلبة الصفرة عليه واخضرار العروق التي تحته على مصروعية صاحبه وليس الاستدلال بلون