أبو علي سينا

45

القانون في الطب ( طبع بيروت )

ليف العضل . وأما الطبيعية كحركة الرحم والعروق والمركبة كحركة الازدراد فبليف مخصوص بهيئة من وضع الطول والعرض ، والتوريب فللجذب المطاول ، وللدفع الليف الذاهب عرضاً العاصر ، وللإمساك الليف المورب . وما كان من الأعضاء ذا طبقة واحدة مثل الأوردة فإن أصناف ليفه الثلاثة منتسج بعضها في بعض وما كان طبقتين فالليف الذاهب عرضاً يكون في طبقته الخارجة ، والآخران في طبقته الداخلة ، ألَا أن الذاهب طولًا أميل إلى سطحه الباطن ، وإنما خلق كذلك لئلا يكون ليف الجذب والدفع مقابل ليف الجذب والإمساك هما أولى بأن يكونان معاً ، ألا في الأمعاء فإن حاجتها لم تكن إلى الإمساك شديدة بل إلى الجذب والدفع . ونقول أيضا : إن الأعضاء العصبانية المحيطة بأجسام غريبة عن جوهرها منها ما هي ذات طبقة واحدة ومنها ما هي ذات طبقتين وإنما خلق ما خلق منها ذا طبقتين لمنافع : أحدها مس الحاجة إلى شدة الاحتياط في وثاقة جسميتها لئلا تنشق لسبب قوة حركتها بما فيها كالشرايين . والثاني مس الحاجة إلى شدة الاحتياط في أمر الجسم المخزون فيها لئلا يتحلل أو يخرج . أما استشعار التحلل فبسبب سخافتها إن كانت ذا طبقة واحدة ، وأما استشعار الخروج فبسبب إجابتها إلى الانشقاق لذلك أيضاً و ) هذا الجسم المخزون مثل الروح والدم المخزونين في الشرايين اللذين يجب أن يحتاط في صونهما ويخاف ضياعهما . أما الروح فبالتحلل ، وأما الدم فبالشق وفي ذلك خطر عظيم . والثالث أنه إذا كان عضو يحتاج أن يكون كل أحد من الدفع والجذب فيه بحركة قوية أفرد له آلة نجلا اختلاط وذلك كالمعدة والأمعاء . والرابع أنه إذا أريد أن تكون كل طبقة من طبقات العضو لفعل يخصه وكان الفعلان يحدث أحدهما عن مزاج مخالف للآخر كان . التفريق بينهما أصوب مثل المعدة ، فإنه أريد فيها أن يكون لها الحس ، وذلك إنما يكون بعضو عصباني وأن يكون لها الهضم ، وذلك إنما يكون بعضو لحماني فأفردا لكل من الأمرين طبقة : طبقة عصبية للحس ، وطبقة لحمية للهضم ، وجعلت الطبقة الباطنية عصبية والخارجة لحمانية لأن الهاضم يجوز أن يصل إلى المهضوم بالقوة دون الملاقاة والحاس لا يجوز أن يلاقي المحسوس أعني في حس اللمس . وأقول أيضاً : إن الأعضاء منها ، ما هي قريبة المزاج من الدم فلا يحتاج الدم في تغذيتها إلى أن يتصرَف في استحالات كثيرة مثل اللحم ، فلذلك لم يجعل فيه تجاويف وبطون يقيم فيها الغذاء الواصل مدة لم يغتذ به اللحم ، ولكن الغذاء كما يلاقيه يستحيل إليه . ومنها ما هي بعيدة المزاج عنه فيحتاج الدم في أن يستحيل إليه إلى أن يستحيل أولًا استحالات متدرجة إلى مشاكلة جوهره كالعظم ، فلذلك جعل له في الخلقة إما تجويف واحد يحتوي غذاءه مدة يستحيل في مثلها إلى مجانسته مثل عظم الساق والساعد ، أو تجويف متفرق فيه مثل عظم الفلك الأسفل ، وما كان من الأعضاء هكذا فإنه يحتاج أن يمتاز من الغذاء قوق الحاجة في الوقت ليحيله إلى مجانسته شيئاً بعد شيء .