أبو علي سينا
44
القانون في الطب ( طبع بيروت )
الكبد فإنه يهضم أولًا هضمه الثاني ويعد للهضم الثالث والرابع فيما يهضم الهضم الأول تامًا حتى يصلح ذلك الدم لتغذيته نفسه ، ويكون قد فعل فعلًا وربما قد يفعل فعلًا عيناً لفعل منتظر يكون قد نفع . ونقول أيضاً من رأس : أن من الأعضاء ما يتكوّن عن المني وهي المتشابهة جزءاً خلا اللحم والشحم ، ومنها ما يتكون عن الدم كالشحم واللحم فإن ما خلاهما يتكوّن عن المنيين مني الذكر ومني الأنثى ، إلا أنها على قول من تحقق من الحكماء يتكون عن مني الذكر كما يتكون الجبن عن الإنفحة ، ويتكوّن عن مني الأنثى ما يتكوّن الجبن من اللبن ، وكما أن مبدأ العقد في الإنفحة كذلك مبدأ عقد الصورة في مني الذكر ، وكما أن مبدأ الانعقاد في اللبن فكذلك مبدأ انعقاد الصورة أعني القوة المنفعلة هو في مني المرأة ، وكما أن كل واحد من الإنفحة واللبن جزء من جوهر الجبن الحادث عنها كذلك كل واحد من المنيين جزء من جوهر الجنين . وهذا القول يخالف قليلًا بل كثيراً قول " جالينوس " ، فإنه يرى في كل واحد من المنيين قوة عاقدة وقابلة للعقد ، ومع ذلك فلا يمتنع أن يقول : إن العاقدة في الذكوري أقوى والمنعقدة في الأنوثي أقوى ، وأما تحقيق القول في هذا ففي كتبنا في العلوم الأصلية . ثم إن الدم الذي كان ينفصل عن المرأة في الأقراء يصير غذاء ، فمنه ما يستحيل إلى مشابهة جوهر المني والأعضاء الكائنة منه ، فيكون غذاء منمياً له ومنه ما لا يصير غذاء لذلك ، ولكن يصلح لأن ينعقد في حشوه ويملأ الأمكنة من الأعضاء الأولى فيكون لحماً وشحماً ، ومنه فضل لا يصلح لأحد الأمرين فيبقى إلى وقت النفاس فتدفعه الطبيعة فضلًا . وإذا ولد الجنين فإن الدم الذي يولده كبده يسد مسد ذلك الدم ، ويتولد عنه ما كان يتولد عن ذلك الدم ، واللحم يتولّد عن متين الدم ويعقده الحر واليبس . وأما الشحم فمن مائيته ودسمه ويعقده البرد ، ولذلك يحله الحر وما كان من الأعضاء متخلفاً من المنيين فإنه إذا انفصل لم ينجبر بالاتصال الحقيقي إلا بعضه في قليل من الأحوال ، وفي سن الصبا مثل العظام وشعب صغيرة من الأرودة دون الكبيرة ودون الشرايين ، وإذا انتقص منه جزء لم ينبت عوضه شيء وذلك كالعظم والعصب وما كان متخلّقاً من الدم فإنه ينبت بعد انثلامه ويتصل بمثله كاللحم ، وما كان متولداً عن دم فيه قوة المني بعد فما دام العهد بالمني قريباً فذلك العضو إذا فات أمكن أن ينبت مرة أخرى مثل السنّ في سنّ الصبا ، وأما إذا استولى على الدم مزاج آخر فإنه لا ينبت مرة أخرى . ونقول أيضاً : إن الأعضاء الحساسة المتحرّكة قد تكون تارة مبدأ الحس والحركة لهما جميعاً عصبة واحدة ، وقد يفترق تارة ذلك فيكون مبداً لكل قوة عصبة . ونقول أيضاً : إن جميع الأحشاء الملفوفة في الغشاء منبت غشائها أحد غشاءي الصدر والبطن المستبطنين ، أما ما في الصدر كالحجاب والأوردة والشريانات والرئة فمنيت أغشيتها من الغشاء المستبطن للأضلاع ، وأما ما في الجوف من الأعضاء والعروق فمنبت أغشيتها من الصفاق المستبطن لعضل البطن وأيضاً فإن جميع الأعضاء اللحمية إما ليفية كاللحم في العضل وإما ليس فيها ليف كالكبد ، ولا شيء من الحركات إلا بالليف . أما الإرادية فبسبب