أبو علي سينا

43

القانون في الطب ( طبع بيروت )

من هذين الاختلافين بالبرهان فليس له إليه سبيل من جهة ما هو طبيب ولا يضرّه في شيء من مباحثه وأعماله ، ولكن يجب أن يعلم ويعتقد في الاختلاف الأوّل أنه لا عليه كان القلب مبدأ في الحس والحركة للدماغ وللقوة المغتذية للكبد ، أو لم يكن فإن الدماغ إما بنفسه وإما بعد القلب مبدأ للأفاعيل النفسانية بالقياس إلى سائر الأعضاء . والكبد كذلك مبدأ للأفعال الطبيعية المغذية بالقياس إلى سائر الأعضاء . ويجب أن يعلم ويعتقد في الاختلاف الثاني أنه لا عليه كان حصول القوة الغريزية في مثل العظم عند أوّل الحصول من الكبد ، أو يستحقه بمزاجه نفسه ، أو لم يكن ولا واحد منهما ، ولكن الآن يجب أن يعتقد أن تلك القوة ليست فائضة إليه من الكبد بحيث لو انسد السبيل بينهما وكان عند العظم غذاء مغذِ بطل فعله كما للحس والحركة إذا انسد العصب الجائي من الدماغ ، بل تلك القوة صارت غريزية للعظم ما بقي على مزاجه ، فحينئذ ينشرح له حال القسمة ويفترض له أعضاء رئيسية ، وأعضاء خادمة للرئيسة ، وأعضاء مرؤوسة بلا خدمة ، وأعضاء غير رئيسة ولا مرؤوسة . فالأعضاء الرئيسة هي الأعضاء التي هي مبادٍ للقوى الأولى في البدن المضطر إليها في بقاء الشخص أو النوع . أما بحسب بقاء الشخص فالرئيسة ثلاث القلب وهو مبدأ قوة الحياة ، والدماغ وهو مبدأ قوة الحسّ والحركة ، والكبد هو مبدأ قوة التغذية . وأما بحسب بقاء النوع فالرئيسة هذه الثلاثة أيضا ، ورابع يخصّ النوع وهو الأنثيان اللذان يضطر إليهما لأمر وينتفع بهما لأمر أيضاً . أما الاضطرار فلأجل توليد المني الحافظ للنسل ، وأما الانتفاع فلأجل إفادة تمام الهيئة والمزاج الذكوري والأنوثي اللذين هما من العوارض اللازمة لأنواع الحيوان ، لا من الأشياء الداخلة في نفس الحيوانية . وأما الأعضاء الخادمة فبعضها تخدم خدمة مهيئة وبعضها تخدم خدمة مؤدّية ، والخدمة المهيئة تسمى منفعة والخدمة المؤدية تسمّى خدمة على الاطلاق ، والخدمة المهيئة تتقدم فعل الرئيس ، والخدمة المؤدية تتأخّر عن فعل الرئيس . أما القلب فخادمه المهيء هو مثل الرئة والمؤدي مثل الشرايين . وأما الدماغ فخادمه المهيئ هو مثل الكبد وسائر أعضاء الغذاء وحفظ الروح ، والمؤدي هو مثل العصب . وأما الكبد فخادمه المهيئ هو مثل المعدة ، والمؤدي هو مثل الأوردة . وأما الانتيان فخادمهما المهيء مثل الأعضاء المولّدة للمني قبلها ، وأما المؤدي ففي الرجال الإحليل وعروق بينهما وبينه ، وكذلك في النساء عروق يندفع فيها المني إلى المحبل ، وللنساء زيادة الرحم تتم فيه منفعة المني . وقال " جالينوس " : إن من الأعضاء ما له فعل فقط ، ومنها ما له منفعة فقط ، ومنها ما له فعل ومنفعة معاً . الأول كالقلب ، والثاني كالرئة ، والثالث كالكبد . وأقول : أنه يجب أن نعني بالفعل ما يتم بالشيء وحده من الأفعال الداخلة في حياة الشخص أو بقاء النوع مثل ما للقلب في توليد الروح ، وأن نعني بالمنفعة ما هي لقبول فعل عضو آخر حينئذ يصير الفعل تامًا في إفادة حياة الشخص ، أو بقاء النوع كإعداد الرئة للهواء ، وأما