أبو علي سينا

34

القانون في الطب ( طبع بيروت )

له ، حلو جداً . وغير الطبيعي : قسمان فمنه ما قد تغيّر عن المزاج الصالح لا بشيء خالطه ، ولكن بأن ساء مزاجه في نفسه فبرد مزاجه مثلا " أو سخن ، ومنه ما إنما تغيّر بأن حصل خلط رديء فيه وذلك قسمان : فإنه إما أن يكون الخلط ورد عليه من خارج فنفذ فيه فأفسده ، وإما أن يكون الخلط تولّد فيه نفسه مثلًا بأن يكون عفن بعضه فاستحال الطبقة مُرَة صفراء ، وكثيفة مرَة سوداء ، وبقيا أو أحدهما فيه ، وهذا القسم بقسميه مختلف بحسب ما يخالطه . وأصنافه من أصناف البلغم وأصناف السوداء وأصناف الصفراء والمائية ، فيصير تارة عكراً وتارة رقيقاً وتارة أسود شديد السواد وتارة أبيض ، وكذلك يتغير في رائحته وفي طعمه فيصير مرًا ومالحاً وإلى الحموضة . وأما البلغم : فمنه طبيعي أيضاً ومنه غير طبيعي . والطبيعي : هو الذي يصلح أن يصير في وقت ما دماً لأنه دم غير تام النضج ، وهو ضرب من البلغم والحلو ، وليس هو بشديد البرد بل هو بالقياس إلى البدن قليل البرد بالقياس إلى الدم والصفراء بارد ، وقد يكون من البلغم الحلو ما ليس بطبيعي ، وهو البلغم الذي لا طعم له الذي سنذكره إذا اتفق أن خالطه دم طبيعي . وكثيراً ما يحس به في النوازل وفي النفث وأما الحلو الطبيعي فإن " جالينوس " زعم أن الطبيعة إنما لم تعد له عضواً كالمفرغة مخصوصاً مثل ما للمرتين ، لأن هذا البلغم قريب الشبه من الدم وتحتاج إليه الأعضاء كلها ، فلذلك أجري مجرى الدم . ونحن نقول : إن تلك الحاجة هي لأمرين : أحدهما ضرورة ، والآخر منفعة ، أما الضرورة فلسببين : أحدهما : ليكون قريباً من الأعضاء ، فمتى فقدت الأعضاء الغذاء الوارد إليها صار دماً صالحاً لاحتباس مدده من المعدة والكبد ، ولأسباب عارضة أقبلت عليه قواها بحرارته الغريزية فأنضجته وهضمته وتغذت به ، وكما أن الحرارة الغريزية تنضجه وتهضمه وتصلحه دماً ، فكذلك الحرارة الغريبة قد تعفنه وتفسده . وهذا القسم من الضرورة ليس للمرَتين ، فإن المرَتين لا تشاركان البلغم في أن الحار الغريزي يصلحه دماً ، وإن شاركناه في أن الحار العرضي يحيله عفناً فاسداً . والثاني : ليخالط الدم فيهيئه لتغذية الأعضاء البلغمية المزاج التي يجب أن يكون في دمها الغاذيها بلغم بالفعل على قسط معلوم مثل الدماغ ، وهذا موجود للمرّتين ، وأما المنفعة فهي أن تبلّ المفاصل والأعضاء الكثيرة الحركة ، فلا يعرض لها جفاف بسبب حركة العضو وبسبب الاحتكاك وهذه منفعة واقعة في تخوم الضرورة . وأما البلغم الغير الطبيعي فمنه فضلي مختلف القوام حتى عند الحس وهو المخاطي ، ومنه مستوي القوام في الحس مختلفة في الحقيقة وهو الخام ، ومنه الرقيق جدا " وهو المائي منه ، ومنه الغليظ جدًا " وهو الأبيض المسمى بالجصي وهو الذي قد تحلل لطبقة لكثرة احتباسه في المفاصل والمنافذ وهو أغلظ الجميع ، ومن البلغم صنف مالح وهو أحر ما يكون من البلغم وأيبسه وأجفه ، وسبب كل ملوحة تحدث أن تخالط رطوبة