أبو علي سينا
32
القانون في الطب ( طبع بيروت )
الشهوة الفاسدة التي تكون لبرد المزاج لا يكون معها استمراء واغتذاء . والاستمراء في الصبيان في أكثر الأوقات على أحسن ما يكون ، ولولا ذلك لما كانوا يوردون من البدل الذي هو الغذاء أكثر مما يتحلل حتى ينمو ، ولكنهم قد يعرض لهم سوء استمرائهم لشرههم وسوء تربيتهم لمطعومهم وتناولهم الأشياء الرديئة والرطبة والكثيرة وحركاتهم الفاسدة عليها ، فلهذا تجتمع فيهم فضول أكثر ، ويحتاجون إلى تنقية أكثر ، وخصوصاً رئاتهم ، ولذلك نبضهم أشد تواتراً وسرعة ، وليس له عظم لأن قوتهم لم تتم . فهذا هو القول في مزاج الصبي والشاب على حسب ما تكفل " جالينوس " ببيانه وعبرنا عنه . ثمِّ يجب أن تعلم أن الحرارة بعد مدة سنّ الوقوف تأخذ في الانتقاص لانتشاف الهواء المحيط مادتها التي هي الرطوبة ، ومعاونة الحرارة الغريزية التي هي أيضاً من داخل ، ومعاضدة الحركات البدنية والنفسانية الضرورية في المعيشة لها ، وعجز الطبيعة عن مقاومة ذلك دائماً ، فإنّ جميع القوى الجسمانيّة متناهية . فقد تبين ذلك في العلم الطبيعي فلا يكون فعلها في الإيراد دائماً . فلو كانت هذه القوى أيضاً غير متناهية وكانت دائمة الإيراد ، ليدلّ ما يتحلّل على السواء بمقدار واحد ولكن كان التحلل ليس بمقدار واحد ، بل يزداد دائما كل يوم لما كان البدل يقاوم التحلّل ، ولكن التحلل يفني الرطوبة ، فكيف والأمر أن كلاهما متظاهران أن على تهيئة النقصان والتراجع ؟ وإذ كان كذلك فواجب ضرورة أن يفنى المادة ، بل يطفئ الحرارة وخصوصاَّ إذا كان يعين انطفاءها بسبب عون المادة سبب آخر وهو الرطوبة الغريبة التي تحدث دائماً لعدم بدل الغذاء الهضم ، فيعين على انطفائها من وجهين أحدهما بالخنق والغمر ، والآخر بمضادة الكيفية لأن تلك الرطوبة تكون بلغمية باردة ، وهذا هو الموت الطبيعي المؤجل لكل شخص بحسب مزاجه الأول إلى حدّ تضمّنه قوّته في حفظ الرطوبة . ولكل منهم أجل مسمى ولكل أجل كتاب وهو مختلف في الأشخاص لاختلاف الأمزجة ، فهذه هي الآجال الطبيعية ، وهاهنا آجال اخترامية غيرها ، وهي أخرى وكل بقدر ، فالحاصل إذاً من هذا أن أبدان الصبيان والشبان حارة باعتدال ، وأبدان الكهول والمشايخ باردة . ولكن أبدان الصبيان أرطب من المعتدل لأجل النمو ويدل عليه التجربة ، وهي من لين عظامهم وأعصابهم . والقياس وهو من قرب عهدهم بالمني والروح البخاري . وأما الكهول والمشايخ خصوصاً فإنهم مع أنهم أبرد فهم أيبس ، يعلم ذلك بالتجرية من صلابة عظامهم ونشف جلودهم وبالقياس من بعد عهدهم بالمني والدم والروح البخاري . ثم النارية متساوية في الصبيان والشبان والهوائية والمائية في الصبيان أكثر ، والأرضية في الكهول والمشايخ أكثر منها فيهما ، وهي في مشايخ أكثر . والشاب معتدل المزاج فوق اعتدال الصبي ، لكنه بالقياس إلى الصبي يابس المزاج ، وبالقياس إلى الشيخ والكهل حار المزاج ، والشيخ أيبس من الشاب ، والكهل في مزاج أعضائه الأصلية وأرطب منهما بالرطوبة الغريبة البالَة .