أبو علي سينا

31

القانون في الطب ( طبع بيروت )

ولأنهم أقوى حركات ، والحركة بالحرارة ، وهم أقوى استمراء وهضماً وذلك بالحرارة . وأما الشهوة فليست تكون بالحرارة ، بل بالبرودة ، ولهذا ما تحدث الشهوة الكلبية في أكثر الأمر من البرودة ، والدليل على أن هؤلاء أشد ، استمراء أنه لا يصيبهم من التهوع والقيء والتخمة ما يعرض للصبيان لسوء الهضم . والدليل على أن مزاجهم أميل إلى الصفراء ، هو أن أمراضهم حارة كلها ، كحمى الغب وقيئهم صفراوي . وأما أكثر أمراض الصبيان فإنها رطبة باردة ، وحمياتهم بلغمية ، وأكثر ما يقذفونه بالقيء بلغم . وأما النمو في الصبيان فليس من قوة حرارتهم ، ولكن لكثرة رطوبتهم وأيضاً فإن كثرة شهوتهم تدلّ على نقصان حرارتهم . هذا مذهب الفريقين واحتجاجهما . وأما " جالينوس " ، فإنه يرد على الطائفتين جميعاً ، وذلك أنه يرى الحرارة فيهما متساوية في الأصل ، لكن حرارة الصبيان أكثر كمية وأقل كيفية ، أي حدة . وحرارة الشبان أقل كمية وأكثر كيفية أي حدّة . وبيان هذا على ما يقوله فهو أن يتوهم أن حرارة واحدة بعينها في المقدار ، أو جسماً لطيفاً حاراً واحدا " في الكيف والكم فشا تارة في جوهر رطب كثير كالماء ، وفشا أخرى في جوهر يابس قليل كالحجر ، وإذا كان كذلك فإنا نجد حينئذ الماء الحار المائي أكثر كمية وألين كيفية ، والحار الحجري أقل كمية وأحدّ كيفية . وعلى هذا فقس وجود الحار في الصبيان والشبان ، فإن الصبيان إنما يتولدون من المني الكثير الحرارة ، وتلك الحرارة لم يعرض لها من الأسباب ما يطفئها . فإن الصبي ممعن في التزيّد ومتدرّج في النمو ولم يقف بعد ، فكيف يتراجع . ؟ وأما الشاب فلم يقع له سبب يزيد في حرارته الغريزية ولا أيضاً وقع له سبب يطفئها بل تلك الحرارة مستحفظة فيه برطوبة أقل كمية وكيفية معاً إلى أن يأخذ في الانحطاط . وليست قلة هذه الرطوبة تعد قلةً بالقياس إلى استحفاظ الحرارة ولكن بالقياس إلى النمو ، فكأن الرطوبة تكون أولا بقدر يفي به كلا الأمرين ، فيكون بقدر ما نحفظ الحرارة وتفضل أيضاً النمو ثم تصير بآخرة بقدر لا يفي به كلا الأمرين ، ثم تصير بقدر لا يفي ولا بأحد الأمرين ، فيجب أن يكون في الوسط بحيث يفي بأحد الأمرين دون الآخر . ومحال أن يقال أنها تفي بالتنمية ولا تفي بحفظ الحرارة الغريزية ، فإنه كيف يزيد على الشيء ما ليس يمكنه أن يحفظ الأصل ؟ فبقي أن يكون إنما يفي بحفظ الحرارة الغريزية ولا يفي بالنمو . ومعلوم أن هذا السن هو سن الشباب . وأما قول الفريق الثاني : أن النمو في الصبيان إنما هو بسبب الرطوبة دون الحرارة ، فقول باطل . وذلك لأن الرطوبة مادة للنمو ، والمادة لا تنفعل ولا تتخلق بنفسها ، بل عند فعل القوة الفاعلة فيها ، والقوة الفاعلة ههنا هي نفس أو طبيعة بإذن الله عز وجل ، ولا تفعل إلَّا بآلة هي الحرارة الغريزية . وقولهم أيضاً : إن قوة الشهوة في الصبيان إنما هي لبرد المزاج قول باطل . فإن تلك