أبو علي سينا

30

القانون في الطب ( طبع بيروت )

جوهرها أيضاً . وهكذا يجب أن تفهم من حال البلغم والدم من جهة ، وهو أن ترطيب البلغم في أكثر الأمر هو على سبيل البل ، وترطيب الدم هو على سبيل التقرير في الجوهر . على أن البلغم الطبيعي المائي قد يكون في نفسه أشد رطوبة . فإن الدم بما يستوفي حظه من النضج يتحلل منه شيء كثير من الرطوبة التي كانت في البلغم المائي الطبيعي الذي استحال إليه . فستعلم بعد أن البلغم الطبيعي دم استحال بعض الاستحالة . وأما أيبس ما في البدن فالشّعر ، لأنه من بخار دخاني تحلل ما كان فيه من خلط البخار وانعقدت الدخانية الصرفة ، ثم العظم لأنه أصلب الأعضاء ، لكنه أصلب من الشعر ، لأن كون العظم من الدم ووضعه وضع نَشَاف للرطوبات الغريزية متمكن منها . ولذلك ما كان العظم يغذو كثيراً من الحيوانات والشعر لا يغذو شيئاً منها أو عسى أن يغذو نادرا " من جملتها كما قد ظن من أن الخفافيش تهضمه وتسيغه . لكنا إذا أخذنا قدرين متساويين من العظم والشعر في الوزن ، فقطرناهما في القرع والانبيق سال من العظم ماء ودهن كثر ، وبقي له ثقل أقل . فالعظم إذاً أرطب من الشعر . وبعد العظم في اليبوسة الغضروف ، ثم الرباط ، ثم الوتر ، ثم الغشاء ، ثم الشرايين ، ثم الأوردة ، ثم عصب الحركة ، ثم القلب ، ثم عصب الحسّ . فإن عصب الحركة أبرد وأيبس معاً كثيراً من المعتدل . وعصب الحس أبرد وليسَ أيبس كثيراً من المعتدل بل عسى أن يكون قريباً منه ، وليس أيضاً كثير البعد منه في البرد ثم الجلد . الفصل الثالث أمزجة الأسنان والأجناس الأسنان أربعة في الجملة : سن النمو ويسمّى سن الحداثة ، وهو إلى قريب من ثلاثين سنة ، ثم سن الوقوف : وهو سن الشباب ، وهو إلى نحو خمس وثلاثين سنة أو أربعين سنة ، وسن الانحطاط مع بقاء من القوة : وهو سن المكتهلين وهو إلى نحو ستين سنة ، وسن الانحطاط مع ظهور الضعف في القوة : وهو سن الشيوخ إلى آخر العمر . لكن سن الحداثة ينقسم إلى : سن الطفولة : وهو أن يكون المولود بعد غير مستعد الأعضاء للحركات والنهوض ، وإلى سن الصبا : وهو بعد النهوض وقبل الشدة ، وهو أن لا تكون الأسنان استوفت السقوط والنبات ثم سن الترعرع : وهو بعد الشدة ونبات الأسنان قبل المراهقة ، ثم سن الغلامية والرهاق إلى أن يبقل وجهه . ثم سن الفتى : إلى أن يقفل النمو . والصبيان أعني من الطفولة إلى الحداثة مزاجهم في الحرارة كالمعتدل ، وفي الرطوبة كالزائد ، ثم بين الأطباء الأقدمين اختلاف في حرارتي الصبي والشاب ، فبعضهم يرى أن حرارة الصبي أشد ، ولذلك ينمو أكثر ، وتكون أفعاله الطبيعية من الشهوة والهضم كذلك كثر وأدوم ، لأن الحرارة الغريزية المستفادة فيهم من المني أجمع وأحدث . وبعضهم يرى أن الحرارة الغريزية في الشبان أقوى بكثير لأن دمهم أكثر وأمتن ، ولذلك يصيبهم الرُعاف أكثر وأشد ، ولأن مزاجهم إلى الصفراء أميل ، ومزاج الصبيان إلى البلغم أميل ،