أبو علي سينا

29

القانون في الطب ( طبع بيروت )

فيتغير البدن إليه ، مثل حرارة المدقوق وبرودة الخصر المصرود المثلوج وإما أن يكون مع مادة وهو أن يكون البدن إنما تكيف بكيفية ذلك المزاج لمجاورة خلط نافذ فيه غالب عليه تلك الكيفية ، مثل تبرد الجسم الإنساني بسبب بلغم زجاجي ، أو تسخنه بسبب صفراء كراثي . وستجد في الكتاب الثالث والرابع مثالًا لواحد واحد من الأمزجة الستة عشر . واعلم : أن المزاج مع المادة قد يكون على جهتين ، وذلك لأن العضو قد يكون تارةً منتفعاً في المادة متبلًا بها ، وقد تكون تارةً المادة محتبسةً في مجاريه وبطونه ، فربما كان احتباسها ومداخلتها يحدث توريماً ، وربما لم يكن . فهذا هو القول في المزاج ، فليتسلم الطبيب من الطبيعي على سبيل الوضع ما ليس بيناً له بنفسه . الفصل الثاني : في أمزجة الأعضاء اعلم أنّ الخالق جل جلاله أعطى كل حيوان ، . وكل عضو من المزاج ما هو أليق به وأصلح لأفعاله وأحواله بحسب الإمكان له . وتحقيق ذلك إلى الفيلسوف دون الطبيب . وأعطى الإنسان أعدل مزاج يمكن أن يكون في هذا العالم مع مناسبة لقواه التي بها يفعل وينفعل . وأعطى كل عضو ما يليق به من مزاجه ، فجعل بعض الأعضاء أحر ، وبعضها أبرد ، ويعضها أيبس ، وبعضها أرطب . فأما أحر ما في البدن فهو الروح والقلب الذي هو منشؤه ، ثم الدم ، فإنه وإن كان متولداً في الكبد ، فإنه لاتصاله بالقلب يستفيد من الحرارة ما ليس للكبد ، ثم الكبد لأنها كدم جامد ، ثم الرئة ، ثم اللحم ، وهو أقل منها بما يخالطه من ليف العصب البارد ، ثم العضل ، وهو أقل حرارة من اللحم المفرد لما يخالطه من العصب والرباط ، ثم الطحال لما فيه من عكر الدم ، ثم الكِلى لأن الدم فيها ليس بالكثير ، ثم طبقات العروق الضوارب لا بجواهرها العصبية ، بل بما تقبله من تسخين الدم والروح اللذين فيها ، ثم طبقات العروق السواكن لأجل الدم وحده ، ثم جلدة الكف المعتدلة ، وأبرد ما في البدن البلغم ، ثم الشحم ، ثم الشعر ، ثم العظم ، ثم الغضروف ، ثم الرباط ، ثم الوتر ، ثم الغشاء ، ثم العصب ، ثم النخاع ، ثم الدماغ ، ثم الجلد . وأما أرطب ما في البدن فالبلغم ، ثم الدم ، ثم السمين ، ثم الشحم ، ثم الدماغ ، ثم النخاع ، ثم لحم الثدي ، والأنثيين ، ثم الرئة ، ثم الكبد ، ثم الطحال ، ثم الكليتان ، ثم العضل ، ثم الجلد . هذا هو الترتيب الذي رتبه " جالينوس " . ولكن يجب أن تعلم أن الرئة ، في جوهرها وغريزتها ليست برطبة شديدة الرطوبة ، لأن كل عضو شبيه في مزاجه الغريزي بما يتغذى به ، وشبيه في مزاجه العارض بما يفضل فيه . ثم الرئة تغتذي من أسخن الدم وأكثره مخالطة للصفراء . فعلمنا هذا " جالينوس " بعينه ولكنها قد يجتمع فيها فضل كثير من الرطوبة عما يتصعد من بخارات البدن وما ينحدر إليها من النزلات . وإذا كان الأمر على هذا فالكبد أرطب من الرئة كثيراً في الرطوبة الغريزية . والرئة أشد ابتلالًا ، وإن كان دوام الابتلال قد يجعلها أرطب في