أبو علي سينا
272
القانون في الطب ( طبع بيروت )
ومنها العرق الذي في الأرنبة وموضع فصده هو المتشقق من طرفها الذي إذا غمز عليه بالأصبع تفرق باثنين ، وهناك يبضع ، والدم السائل منه قليل . وينفع فصده من الكلف وكدورة اللون والبواسير والبثور التي تكون في الأنف والحكة فيه ، لكنه أحدث حمرة لون مزمنة تشبه السعفة ، ويفشو في الوجه فتكون مضرته أعظم من منفعته كثيراً . والعروق التي تحت الخششا مما يلي النقرة ، نافع فصدها من السدَرِ الكائن من الدم اللطيف والأوجاع المتقادمة في الرأس ، ومنها الجهارك ، وهي عروق أربعة ، على كل شقة منها زوج فينفع فصدها من قروح الفم والقلاع ، وأوجاع اللثة وأورامها واسترخائها أو قروحها ، والبواسير والشقوق فيها ، ومنها العرق الذي تحت اللسان على باطن الذقن ، ويفصد في الخوانيق وأورام اللوزتين ، ومنها عرق تحت اللسان نفسه يفصد لثقل اللسان الذي يكون من الدم ، ويجب أن يفصد طولًا ، فإن فصد عرضاً صعب رقاء دمه ، ومنها عرق عند العنفقة يفصد للبخر ، ومنها عرق اللثة يفصد في معاجات فم المعدة . وأما الشرايين التي في الرأس ، فمنها شريان الصداغ ، قد يفصد ، وقد يبتر ، وقد يسل ، وقد يكوى ، ويفعل ذلك لحبس النوازل الحادة اللطيفة المنصبة إلى العينين ، ولابتداء الانتشار . والشريانان اللذان خلف الأذنين ، ويفصدان لأنواع الرمد وابتداء الماء والغشاوة والعشا والصداع المزمن ، ولا يخلو فصدهما عن خطر ، ويبطؤ معه الالتحام . وقد ذكر " جالينوس " ، أن مجروحاً في حلفه أصيب شريانه وسال منه دم بمقدار صالح ، فتداركه " جالينوس " بدواء الكندر والصبر ودم الأخوين والمر ، فاحتبس الدم وزال عنه وجع مزمن كان في ناحية وركه . ومن العروق التي تفصد في البدن عرقان على البطن : أحدهما موضوع على الكبد والآخر موضوع على الطحال ويفصد الأيمن في الاستسقاء والأيسر في علل الطحال . واعلم أن الفصد له وقتان : وقت اختيار ، ووقت ضرورة . فالوقت المختار فيه ، ضحوة النهار بعد تمام الهضم والنفض ، وأما وقت الاضطرار فهو الوقت الموجب الذي لا يسوغ تأخيره ولا يلتفت فيه إلى سبب مانع . واعلم أن المبضع الكال كثير المضرّة ، فإنه يخطئ فلا يلحق ويورم ويوجع ، فإذا أعملت المبضع فلا تدفعه باليد غمزاً بل برفق بالاختلاس لتوصل طرف المبضع حشو العروق ، وإذا أعنفت فكثيراً ما ينكسر رأس المبضع انكساراً خفياً فيصير زلآقاً يجرح العرق ، فإن ألححت بفصدك زدت شراً . ولذلك يجب أن يجرب كيفية علوق المبضع بالجلد قبل الفصد به وعند معاودة ضربه إن أردتها ، واجتهد أن تملأ العرق ، وتنفخه بالدم ، فحينئذ يكون الزلق والزوال أقل . فإذا استعصى العرق ولم يظهر امتلاؤه تحت الشد ، فحله وشدّه مراراً وامسحه وانزل في الضغط واصعد حتى تنبهه وتظهره ، وتجرب ذلك بين قبض إصبعين على موضع من المواضع التي تعلم امتداد العروق ، فبهما تحبس ، وتارة تحبس بأحدهما ، وتيل الدم بالآخر حتى تحسّ