أبو علي سينا

135

القانون في الطب ( طبع بيروت )

حجرية فتكون أولى بأن لا تعفن العفونة الأرضية ، ولكن التي من طينة حرّة خير من الحجرية ، ولا كل عين حرة بل التي هي مع ذلك جارية ، ولا كل جارية بل الجارية المكشوفة للشمس والرياح ، فإن هذا مما تكتسب بها الجارية فضيلة . وأما الراكدة فربما اكتسبت رداءة بالكشف لا تكتسبها بالغور والستر . واعلم أنَ المياه التي تكون طينية المسيل خير من التي تجري على الأحجار ، فإن الطين ينقّي الماء ويأخذ منه الممزوجات الغريبة ويروقه ، والحجارة لا تفعل ذلك ، لكنه يجب أن يكون طين مسيلها حرًا لا حمأة ، ولا سبخة ولا غير ذلك . فإن اتفق أن كان هذا الماء غمراً شديد الجرية تحيل كثرته ما يخالطه إلى طبيعته يأخذ إلى الشمس في جريانه ، فيجري إلى المشرق خصوصاً إلى الصيفي منه ، فهو أفضل لا سيما إذا بعد جداً من مبدئه ، ثم ما يتوجه إلى الشمال . والمتوجّه إلى المغرب والجنوب رديء ، وخصوصاً عند هبوب الجنوب . والذي ينحدر من مواضع عالية مع سائر الفضائل أفضل . وما كان بهذه الصفة ، كان عذبا يخيل أنه حلو ، ولا يحتمل الخمر إذا مزج به منه إلا قليلًا ، وكان خفيف الوزن سريع التبرد والتسخّن لتخلخله ، بارداً في الشتاء حاراً في الصيف ، لا يغلب عليه طعم البتة ولا رائحة ، ويكون سريع الإنحدار من الشراسيف سريع تهري ما يهرى فيه وطبخ ما يطبخ فيه . واعلم أن الوزن من الدستورات المنجحة في تعرف حال الماء ، فإن الأخف في أكثر الأحوال أفضل وقد يعرف الوزن بالمكيال ، وقد يعرف بأن تبل خرقتان بماءين مختلفين ، أو قطنتان متساويتان في الوزن ، ثم يجففان تجفيفاً بالغاً ثم يوزنان ، فالماء الذي قطنته أخف ، فهو أفضل . والتصعيد والتقطير مما يصلح المياه الرديئة ، فإن لم يمكن ذلك فالطبخ فإن المطبوخ على ما شهد به العلماء أقل نفخاً وأسرع انحداراً . والجهال من الأطباء يظنون الماء المطبوخ يتصعد لطيفه ويبقى كثيفة فلا فائدة في الطبخ إذ يزيد الماء تكثيفاً ، ولكن يجب أن تعلم أن الماء في حدّ مائيته متشابه الأجزاء في اللطافة والكثافة لأنه بسيط غير مركب ، لكن الماء يكثف إما باشتداد كيفية البرد عليه ، وإما بمخالطة شديدة من الأجزاء الأرضية التي أفرط صغرها ليس يمكنها أن تنفصل عنه وترسب فيه لأنها ليست بمقدار ما يقدر أن يشق اتصال الماء فيرسب فيه صغراً فيضطرها ذلك إلى أن يحدث لها بجوهر الماء امتزاج ، ثم الطبخ يزيل التكثيف الحادث عن البرد أولًا ثم يخلخل أجزاء الماء خلخلة شديدة حتى يصير أدق قواماً ، فيمكن أن تنفصل عنه الأجزاء الثقيلة الأرضية المحبوسة في كثافته وتخرقه راسبة وتباينه بالرسوب ، ويبقى ماء محضاً قريباً من البسيط ويكون الذي انفصل بالتبخير مجانساً للباقي غير بعيد منه ، لأن الماء إذا تخلص من الخلط تشابهت أجزاؤه في اللطافة فلم يكن لصاعدها كثير فضل على باقيها . فالطبخ إنما يلطف الماء بإزالة تكثيف البرد وبترسيب الخلط المخالط له . والدليل على هذا أنك إذا تركت المياه الغليظة مدة كثيرة لم يرسب منها شيء يعتد به ، وإذا طبختها رسب في الوقت شيء كثير وصار الماء الباقي خفيف الوزن صافياً ، وكان سبب الرسوب هو الترقيق الحاصل بالطبخ . ألا ترى