أبو علي سينا

136

القانون في الطب ( طبع بيروت )

أن مياه الأودية الكبار مثل نهر جيحون - وخصوصاً ما كان منها مغترفاً من آخره - يكون عند الاغتراف في غاية الكدر ثم يصفو في زمان قصير كرة واحدة بحيث إذا استصفيتها مرة أخرى لم يرسب شيء يعتدّ به البتة . وقوم يفرطون في مدح ماء النيل إفراطاً شديداً ويجمعون محامده في أربعة ، بعد منبعه وطيب مسلكه وأخذه إلى الشمال عن الجنوب ملطف لما يجري فيه من المياه . وأما غمورته فيشاركه فيها غيره . والمياه الردئية لو استصفيتها كل يوم من إناء إلى إناء لكان الرسوب يظهر عنها كل يوم من الرأس ، ومع ذلك فإنه لا يرسب عنها ما من شأنه أن يرسب إلا بأناة من غير إسراع ، ومع ذلك فلا يتصفى تصفياً بالغاً ، والعلّة فيه أن المخالطات الأرضية يسهل رسوبها عن الرقيق الجوهر الذي لا غلظ له ولا لزوجة ولا دهنية ولا يسهل رسوبها عن الكثيف تلك السهولة . ثم الطبخ يفيد رقة الجوهر وبعد الطبخ المخض . ومن المياه الفاضلة ماء المطر وخصوصاً ما كان صيفياً ومن سحاب راعد . وأما الذي يكون من سحاب ذي رياح عاصفة ، فيكون كدر البخار الذي يتولد منه وكدر السحاب الذي يقطر منه فيكون مغشوش الجوهر غير خالصه ، إلا أن العفونة تبادر إلى ماء المطر وإن كان أفضل ما يكون ، لأنه شديد الرقة فيؤثر فيه المفسد الأرضي والهوائي بسرعة ، وتصير عفونته سبباً لتعفن الأخلاط ويضرّ بالصدر والصوت . قال قوم : والسبب في ذلك أنه متولد عن بخار يصعد من رطوبات مختلفة ولو كان السبب ذلك لكان ماء المطر مذموماً غير محمود وليس كذلك ولكنه لشدة لطافة جوهره فإن كل لطيف الجوهر ، قوامه قابل للإنفعال ، وإذا بودر إلى ماء المطر وأغلي قلّ قبوله للعفونة . والحموضات إذا تنوولت مع وقوع الضرورة إلى شرب ماء مطر قابل للعفونة أمن ضرره . وأما مياه الأبار والقنى بالقياس إلى مياه العيون فرديئة ، وذلك لأنها مياه محتقنة مخالطة للأرضيات مدة طويلة لا تخلو عن تعفين ما وقد استخرجت وحركت بقوة قاسرة لا بقوة فيها مائلة إلى الظهور والاندفاع ، بل بالحيلة والصناعة بأن قرب لها السبيل إلى الرشوح . وأردؤها ما جعل لها مسالك في الرصاص فتأخذ من قوته وتوقع كثيراً في قروح الأمعاء . وماء النز أردأ من ماء البئر ، لأن ماء البئر يستجدّ نبوعه بالنزح فتدوم حركته ولا يلبث اللبث الكثير في المحقن ولا يريث في المنافس ريثاً طويلًا . وأما ماء النزّ فماء يطول تردده في منافس الأرض العفنة ويتحرّك إلى النبوع والبروز . وحركته بطيئة لا تصدر عن قوة اندفاعها بل لكثرة مادتها ولا تكون إلا في أرض فاسدة عفنة . وأما المياه الجليدية والثلجية فغليظة ، والمياه الراكدة الأجمية خصوصاً المكشوفة فرديئة ثقيلة وإنما تبرد في الشتاء بسبب الثلوج وتولد البلغم وتسخن في الصيف بسبب الشمس والعفونة فتولّد المرارة ولكثافتها واختلاط الأرضية بها وتحلل اللطيف منها ، تولد في شاربيها أطحلة ، وترق مراقهم وتحبس أحشاءهم وتقضف منهم الأطراف والمناكب والرقاب ويغلب عليه شهوة